الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : حَتَّى إِذَا بَلَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ، فَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ بِمَعْنَى : أَنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنِ مَاءٍ ذَاتِ حَمْأَةٍ ، وَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ ، وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ يَعْنِي أَنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنِ مَاءٍ حَارَّةٍ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَتِهِ . ذِكْرُ مِنْ قَالَ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبَى عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قَالَ : ذَاتُ حَمْأَةٍ .
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْجُنَيْدِ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضَرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : قَرَأَ مُعَاوِيَةُ هَذِهِ الْآيَةَ ، فَقَالَ : عَيْنٌ حَامِيَةٌ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّهَا عَيْنٌ حَمِئَةٌ ، قَالَ : فَجَعَلَا كَعْبًا بَيْنَهُمَا ، قَالَ : فَأَرْسَلَا إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، فَسَأَلَاهُ ، فَقَالَ كَعْبٌ : أَمَّا الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغِيبُ فِي ثَأْطٍ ، فَكَانَتْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، والثَّأْطُ : الطِّينُ . حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ يَقُولُ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ثُمَّ فَسَّرَهَا . ذَاتُ حَمْأَةٍ ، قَالَ نَافِعٌ : وَسُئِلَ عَنْهَا كَعْبٌ ، فَقَالَ : أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنِّي ، وَلَكِنِّي أَجِدُهَا فِي الْكِتَابِ تَغِيبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قَالَ : هِيَ الْحَمْأَةُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قَالَ : ثَأْطٌ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قَالَ : ثَأْطَةٌ .
قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَرَأْتُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَقَرَأَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ فَأَرْسَلْنَا إِلَى كَعْبٍ . فَقَالَ : إِنَّهَا تَغْرُبُ فِي حَمْأَةِ طِينَةٍ سَوْدَاءَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَالْحَمِئَةُ : الْحَمْأَةُ السَّوْدَاءُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَيَقُولُ : حَمْأَةٌ سَوْدَاءُ تَغْرُبُ فِيهَا الشَّمْسُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ تَغِيبُ فِي عَيْنٍ حَارَّةٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ يَقُولُ : فِي عَيْنٍ حَارَّةٍ .
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ قَالَ : حَارَّةٌ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ قَالَ : حَارَّةٌ ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا الْحَسَنُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ صَحِيحٌ وَمَعْنًى مَفْهُومٌ ، وَكِلَا وَجْهَيْهِ غَيْرُ مُفْسِدِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَارَّةٍ ذَاتِ حَمْأَةٍ وَطِينٍ ، فَيَكُونُ الْقَارِئُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ بِصِفَتِهَا الَّتِي هِيَ لَهَا ، وَهِيَ الْحَرَارَةُ ، وَيَكُونُ الْقَارِئُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَاصِفَهَا بِصِفَتِهَا الَّتِي هِيَ بِهَا وَهِيَ أَنَّهَا ذَاتُ حَمْأَةٍ وَطِينٍ .
وَقَدْ رُوِيَ بِكِلَا صِيغَتَيْهَا اللَّتَيْنِ إِنَّهُمَا مِنْ صِفَتَيْهَا أَخْبَارٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ ، قَالَ : ثَنِي مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الشَّمْسِ حِينَ غَابَتْ ، فَقَالَ : فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ ، فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ ، لَوْلَا مَا يَزَعُهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَأَحْرَقَتْ مَا عَلَى الْأَرْضِ . حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ مُصَدَّعٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأهُ : حَمِئَةٍ وَقَوْلُهُ : وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ذُكِرَ أَنَّ أُولَئِكَ الْقَوْمَ يُقَالُ لَهُمْ : نَاسِكٌ .
وَقَوْلُهُ : قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ يَقُولُ : إِمَّا أَنْ تَقْتُلَهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَيُذْعِنُوا لَكَ بِمَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا يَقُولُ : وَإِمَّا أَنْ تَأْسِرَهُمْ فَتُعْلِّمَهُمُ الْهُدَى وَتُبَصِّرَهُمُ الرَّشَادَ .