الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ زَكَرِيَّا لَمَّا بَشَّرَهُ اللَّهُ بِيَحْيَى : رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ لِي ذَلِكَ ، وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ لَا تَحْبَلُ ، وَقَدْ ضَعُفْتُ مِنَ الْكِبَرِ عَنْ مُبَاضَعَةِ النِّسَاءِ بِأَنْ تُقَوِّيَنِي عَلَى مَا ضَعُفْتُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَتَجْعَلَ زَوْجَتِي وَلُودًا ، فَإِنَّكَ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا تَشَاءُ ، أَمْ بِأَنْ أَنْكِحَ زَوْجَةً غَيْرَ زَوْجَتِي الْعَاقِرِ ، يَسْتَثْبِتُ رَبَّهُ الْخَبَرَ ، عَنِ الْوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِهِ لَهُ الْوَلَدُ ، الَّذِي بَشَّرَهُ اللَّهُ بِهِ ، لَا إِنْكَارًا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةَ كَوْنِ مَا وَعَدَهُ اللَّهُ مِنَ الْوَلَدِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ إِنْكَارًا لِأَنْ يُرْزَقَهُ الْوَلَدَ الَّذِي بَشَّرَهُ بِهِ ، وَهُوَ الْمُبْتَدِئُ مَسْأَلَةَ رَبِّهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ بَعْدَ قَوْلِهِ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا . وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : نَادَى جِبْرَائِيلُ زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا فَلَمَّا سَمِعَ النِّدَاءَ ، جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ : يَا زَكَرِيَّا إِنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ ، إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَسْخَرُ بِكَ ، وَلَوْ كَانَ مِنَ اللَّهِ أَوْحَاهُ إِلَيْكَ كَمَا يُوحِي إِلَيْكَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَمْرِ ، فَشَكَّ وَقَالَ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ يَقُولُ : مِنْ أَيْنَ يَكُونُ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ . وَقَوْلُهُ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا يَقُولُ : وَقَدْ عَتَوْتُ مِنَ الْكِبَرِ فَصِرْتُ نَحِلَ الْعِظَامِ يَابِسَهَا ، يُقَالُ مِنْهُ لِلْعُودِ الْيَابِسِ ، عَوْتٌ عَاتٍ وِعَاسٍ ، وَقَدْ عَتَا يَعْتُو عِتِيًّا وَعُتُوًّا ، وَعَسَى يَعْسُو عِسِيًّا وَعُسُوًّا ، وَكُلُّ مُتَنَاهٍ إِلَى غَايَتِهِ فِي كِبْرٍ أَوْ فَسَادٍ ، أَوْ كُفْرٍ ، فَهُوَ عَاتٍ وَعَاسٍ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَدْ عَلِمْتُ السُّنَّةَ كُلَّهَا ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا وَلَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أَوْ ( عِسِيًّا ) . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنَى عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ : يَعْنِي بِالْعِتِيِّ : الْكِبَرَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ; قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ ( عِتِيًّا ) قَالَ : نُحُولُ الْعَظْمِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ : سِنًّا ، وَكَانَ ابْنَ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ : الْعِتِيُّ : الَّذِي قَدْ عَتَا عَنِ الْوَلَدِ فِيمَا يَرَى نَفْسَهُ لَا يُولَدُ لَهُ . - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ : هُوَ الْكِبَرُ .