الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا "
) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾( 17 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْكَ بِالْحَقِّ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ ، حِينَ اعْتَزَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا ، وَانْفَرَدَتْ عَنْهُمْ ، وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ النَّبْذِ ، وَالنَّبْذُ : الطَّرْحُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ أَيِ انْفَرَدَتْ مَنْ أَهْلِهَا .
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا قَالَ : خَرَجَتْ مَكَانًا شَرْقِيًّا . حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : خَرَجَتْ مَرْيَمُ إِلَى جَانِبِ الْمِحْرَابِ لِحَيْضٍ أَصَابَهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَانْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا : فِي شَرْقِيِّ الْمِحْرَابِ . وَقَوْلُهُ مَكَانًا شَرْقِيًّا يَقُولُ : فَتَنَحَّتْ وَاعْتَزَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا فِي مَوْضِعٍ قِبَلَ مَشْرِقِ الشَّمْسِ دُونَ مَغْرِبِهَا .
كَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ مَكَانًا شَرْقِيًّا قَالَ : مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ . حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ ، قَالَ : ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ خَلْقَ اللَّهِ لِأَيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصَارَى الْمَشْرِقَ قِبْلَةً لِقَوْلِ اللَّهِ : فَانْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ، فَاتَّخَذُوا مِيلَادَ عِيسَى قِبْلَةً . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ إِلَى الْبَيْتِ ، وَالْحَجُّ لِلَّهِ ، وَمَا صَرَفَهُمْ عَنْهُمَا إِلَّا تَأْوِيلُ رَبِّكَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَصَلَّوْا قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا قَالَ : شَاسِعًا مُتَنَحِّيًا . وَقِيلَ : إِنَّهَا إِنَّمَا صَارَتْ بِمَكَانٍ يَلِي مَشْرِقَ الشَّمْسِ ، لِأَنَّ مَا يَلِي الْمَشْرِقَ عِنْدَهُمْ كَانَ خَيْرًا مِمَّا يَلِي الْمَغْرِبَ ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ عِنْدَ الْعَرَبِ .
وَقَوْلُهُ : فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا يَقُولُ : فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِ أَهْلِهَا سِتْرًا يَسْتُرُهَا عَنْهُمْ وَعَنِ النَّاسِ ، وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهَا صَارَتْ بِمَكَانٍ يَلِي الْمَشْرِقَ ، لِأَنَّ اللَّهَ أَظَلَّهَا بِالشَّمْسِ ، وَجَعَلَ لَهَا مِنْهَا حِجَابًا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا قَالَ : مَكَانًا أَظَلَّتْهَا الشَّمْسُ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ . وَقَالَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا مِنَ الْجُدْرَانِ .
وَقَوْلُهُ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَأَرْسَلَنَا إِلَيْهَا حِينَ انْتَبَذَتْ مَنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ، وَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا : جِبْرِيلَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيْهَا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا جِبْرِيلَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : وَجَدَتْ عِنْدَهَا جِبْرِيلُ قَدْ مَثَّلَهُ اللَّهُ بَشَرًا سَوِيًّا . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا قَالَ : جِبْرِيلُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، قَالَ : ثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ بْنُ أَخِي وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى مَرْيَمَ ، فَمَثَلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا .
حَدَّثَنِي مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : فَلَمَّا طَهُرَتْ ، يَعْنِي مَرْيَمَ مِنْ حَيْضِهَا ، إِذَا هِيَ بِرَجُلٍ مَعَهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَتَشَبَّهُ لَهَا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ سَوِيِّ الْخَلْقِ مِنْهُمْ ، يَعْنِي فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ مُعْتَدِلِ الْخَلْقِ .