الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا "
) ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾( 21 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَتْ مَرْيَمُ لِجِبْرِيلَ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ لِي غُلَامٌ؟ أَمِنْ قِبَلِ زَوْجٍ أَتَزَوَّجُ ، فَأُرْزَقُهُ مِنْهُ ، أَمْ يَبْتَدِئُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ ابْتِدَاءً وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ بِنِكَاحٍ حَلَالٍ وَلَمْ أَكُ إِذْ لَمْ يَمْسَسْنِي مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ ( بَغِيًّا ) بَغَيْتُ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ مِنَ الْوَجْهِ الْحَرَامِ ، فَحَمَلْتُهُ مِنْ زِنًا . كَمَا حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا يَقُولُ : زَانِيَةٌ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ لَهَا جِبْرِيلُ : هَكَذَا الْأَمْرُ كَمَا تَصِفِينَ ، مِنْ أَنَّكِ لَمْ يَمْسَسْكِ بَشَرٌ وَلَمْ تَكُونِي بَغِيًّا ، وَلَكِنَّ رَبَّكِ قَالَ : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ : أَيْ خَلْقُ الْغُلَامِ الَّذِي قُلْتُ أَنْ أَهَبَهُ لَكِ عَلَيَّ هَيِّنٌ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيَّ خَلْقُهُ وَهِبَتُهُ لَكِ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ يَفْتَحِلُكِ . وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ يَقُولُ : وَكَيْ نَجْعَلَ الْغُلَامَ الَّذِي نَهَبُهُ لَكِ عَلَامَةً وَحُجَّةً عَلَى خَلْقِي أَهَبُهُ لَكِ .
وَرَحْمَةً مِنَّا يَقُولُ : وَرَحْمَةٌ مِنَّا لَكِ ، وَلِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ أَخْلُقُهُ مِنْكِ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا يَقُولُ : وَكَانَ خَلْقُهُ مِنْكِ أَمْرًا قَدْ قَضَاهُ اللَّهُ ، وَمَضَى فِي حُكْمِهِ وَسَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْكِ . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا أَيْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَيْسَ مِنْهُ بُدٌّ .