الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَذَا الَّذِي بَيَّنْتُ لَكُمْ صِفَتَهُ ، وَأَخْبَرْتُكُمْ خَبَرَهُ ، مِنْ أَمْرِ الْغُلَامِ الَّذِي حَمَلَتْهُ مَرْيَمُ ، هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَتُهُ ، وَهَذَا الْخَبَرُ خَبَرُهُ ، وَهُوَ قَوْلَ الْحَقِّ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي قَصَصْتُهُ عَلَيْكُمْ قَوْلُ الْحَقِّ ، وَالْكَلَامَ الَّذِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ قَوْلُ اللَّهِ وَخَبَرُهُ ، لَا خَبَرَ غَيْرُهُ ، الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْوَهْمُ وَالشَّكُّ ، وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ ، عَلَى مَا كَانَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَقُولُوا فِي عِيسَى أَيُّهَا النَّاسُ ، هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي أَخْبَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ ، لَا مَا قَالَتْهُ الْيَهُودُ ، الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ ، وَأَنَّهُ كَانَ سَاحِرًا كَذَّابًا ، وَلَا مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى ، مِنْ أَنَّهُ كَانَ لِلَّهِ وَلَدًا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ قَالَ : اللَّهُ الْحَقُّ .
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ فِي هَذَا الْحَرْفِ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ، قَالَ : كَلِمُ اللَّهِ . وَلَوْ وُجِّهَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ إِلَى : ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الْقَوْلُ الْحَقُّ ، بِمَعْنَى ذَلِكَ الْقَوْلُ الْحَقُّ ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنَ الْقَوْلِ ، وَأُضِيفَ إِلَى الْحَقِّ ، كَمَا قِيلَ : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾ وَكَمَا قِيلَ : وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ كَانَ تَأْوِيلًا صَحِيحًا . وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ قَوْلَ الْحَقِّ بِرَفْعِ الْقَوْلِ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ الْمَعْنَى .
وَجَعَلُوهُ فِي إِعْرَابِهِ تَابِعًا لِعِيسَى ، كَالنَّعْتِ لَهُ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي إِعْرَابِهِ عِنْدِي عَلَى مَا قَالَهُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ رُفِعَ عَلَى النَّعْتِ لِعِيسَى ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْقَوْلِ الْكَلِمَةَ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنْ تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِيسَى ، وَإِلَّا فَرَفْعُهُ عِنْدِي بِمُضْمَرٍ ، وَهُوَ هَذَا قَوْلُ الْحَقِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ قَدْ تَنَاهَى عَنْ قِصَّةِ عِيسَى وَأُمِّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِيمَا فِيهِ تَمْتَرِي الْأُمَمُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى ، هُوَ هَذَا الْقَوْلُ ، الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ عِبَادَهُ ، دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بِالنَّصْبِ ، وَكَأَنَّهُمَا أَرَادَا بِذَلِكَ الْمَصْدَرَ : ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلًا حَقًّا ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالُ الْحَقِّ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى قَوْلِ الْحَقِّ ، مِثْلُ الْعَابِ وَالْعَيْبِ ، وَالذَّامُ وَالذَّيْمِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : الرَّفْعُ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي فِيهِ يَخْتَصِمُونَ وَيَخْتَلِفُونَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : مَارَيْتُ فُلَانًا : إِذَا جَادَلْتُهُ وَخَاصَمْتُهُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ امْتَرَتْ فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى; فَأَمَّا الْيَهُودُ فَزَعَمُوا أَنَّهُ سَاحِرٌ كَذَّابٌ; وَأَمَّا النَّصَارَى فَزَعَمُوا أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ ، وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، وَإِلَهٌ ، وَكَذَبُوا كُلُّهُمْ ، وَلَكِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَالَ : اخْتَلَفُوا ; فَقَالَتْ فِرْقَةٌ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَنَبِيُهُ ، فَآمَنُوا بِهِ .
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : بَلْ هُوَ اللَّهُ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : هُوَ ابْنُ اللَّهِ . تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَالَّتِي فِي الزُّخْرُفِ ، قَالَ دِقْيُوسُ وَنُسطُورٌ وَمَارِ يَعْقُوبَ ، قَالَ أَحَدُهُمْ حِينَ رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى : هُوَ اللَّهُ ، وَقَالَ الْآخَرُ : ابْنُ اللَّهِ ، وَقَالَ الْآخَرُ : كَلِمَةُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ ، فَقَالَ الْمُفْتَرِيَانِ : إِنَّ قُولِي هُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِكَ ، وَقَوْلَكَ بِقَوْلِي مِنْ قَوْلِ هَذَا ، فَهَلُمَّ فَلْنُقَاتِلْهُمْ ، فَقَاتَلُوهُمْ وَأَوْطَئُوهُمْ إِسْرَائِيلَ ، فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ ، أَخْرَجَ كُلُّ قَوْمٍ عَالِمَهُمْ ، فَامْتَرَوْا فِي عِيسَى حِينَ رُفِعَ ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ : هُوَ اللَّهُ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَحْيَا مَنْ أَحْيَا ، وَأَمَاتَ مَنْ أَمَاتَ ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ ، وَهُمُ النُسْطُورِيَّةُ ، فَقَالَ الِاثْنَانِ : كَذَبْتَ ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ : قُلْ فِيهِ ، قَالَ : هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ : اللَّهُ إِلَهٌ ، وَهُوَ إِلَهٌ ، وَأُمُّهُ إِلَهٌ ، وَهُمُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ مُلُوكُ النَّصَارَى; قَالَ الرَّابِعُ : كَذَبْتَ ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ ، وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَتْبَاعٌ عَلَى مَا قَالَ ، فَاقْتَتَلُوا ، فَظُهِرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ قَالَ قَتَادَةُ : هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ : فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَارُوا أَحْزَابًا .