الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ "
) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾( 107 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَلَاغًا لِمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ إِلَى رِضْوَانِهِ ، وَإِدْرَاكِ الطَّلِبَةِ عِنْدَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْوَرْدِ بْنِ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ ، قَالَ : ثَنَا كَعْبٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ، قَالَ : وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ ، ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾، إِنَّهُمْ لَأَهْلُ ، أَوْ أَصْحَابُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَابِدِينَ . حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الطَّحَّانُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْوَرْدِ عَنْ كَعْبٍ ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ قَالَ : صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَصَلَاةُ الْخَمْسِ ، قَالَ : هِيَ مِلْءُ الْيَدَيْنِ وَالْبَحْرِ عِبَادَةً .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ ، قَالَ : قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ : لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ يَقُولُ : عَامِلِينَ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ إِنَّ فِي هَذَا بَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ قَالَ : يَقُولُونَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لَبَلَاغًا .
وَيَقُولُ آخَرُونَ : فِي الْقُرْآنِ تَنْزِيلٌ لِفَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، مَنْ أَدَّاهَا كَانَ بَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ، قَالَ : عَامِلِينَ . حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ قَالَ : إِنَّ فِي هَذَا لَمَنْفَعَةً وَعِلْمًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ، ذَاكَ الْبَلَاغُ . وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى خَلْقِنَا إِلَّا رَحْمَةً لِمَنْ أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِي .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ، أَجَمِيعُ الْعَالَمِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ أُرِيدَ بِهَا مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ ؟ أَمْ أُرِيدَ بِهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ خَاصَّةً دُونَ أَهْلِ الْكُفْرِ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهَا جَمِيعَ الْعَالَمِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ ، قَالَ : ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ سَعِيدٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ قَالَ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كُتِبَ لَهُ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، عُوفِيَ مِمَّا أَصَابَ الْأُمَمَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ قَالَ : تَمَتُّ الرَّحْمَةُ لِمَنْ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ عُوفِيَ مِمَّا أَصَابَ الْأُمَمَ قَبْلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أُرِيدَ بِهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ دُونَ أَهْلِ الْكُفْرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ قَالَ : الْعَالَمُونَ : مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ ، قَالَ ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ قَالَ : فَهُوَ لِهَؤُلَاءِ فِتْنَةٌ وَلِهَؤُلَاءِ رَحْمَةٌ ، وَقَدْ جَاءَ الْأَمْرُ مُجْمَلًا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَالْعَالَمُونَ هَاهُنَا : مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَأَطَاعَهُ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ .
الْقَوْلُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِجَمِيعِ الْعَالَمِ ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ . فَأَمَّا مُؤْمِنُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ هَدَاهُ بِهِ ، وَأَدْخَلَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِالْعَمَلِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْجَنَّةَ . وَأَمَّا كَافِرُهُمْ فَإِنَّهُ دَفَعَ بِهِ عَنْهُ عَاجَلَ الْبَلَاءِ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا مِنْ قَبْلِهِ .