الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ "
) ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ﴾( 106 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يُقَالُ لَهُمْ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ يَعْنِي آيَاتِ الْقُرْآنِ تُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ وَتَرَكَ ذِكْرَ يُقَالُ ; لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا . اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ : غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا بِكَسْرِ الشِّينِ ، وَبِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : شَقَاوَتُنَا بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْأَلِفِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَقَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : قَالُوا : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا مَا سَبَقَ لَنَا فِي سَابِقِ عِلْمِكَ وَخُطَّ لَنَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا قَالَ : الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْنَا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْنَا .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . وَقَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ نَادَوْا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ : أَنْ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَمَّا أَجَابُوهُمْ بَعْدَ حِينٍ قَالُوا : فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ قَالَ : ثُمَّ نَادَوْا مَالِكًا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ فَسَكَتَ عَنْهُمْ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ ، أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ أَجَابَهُمْ فَقَالَ : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ثُمَّ نَادَى الْأَشْقِيَاءُ رَبَّهُمْ ، فَقَالُوا : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ فَسَكَتَ عَنْهُمْ مِثْلَ مِقْدَارِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ . قَالَ ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : يُنَادِي أَهْلُ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ فَلَا يُجِيبُونَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يُقَالُ : أَجِيبُوهُمْ ، وَقَدْ قُطِعَ الرَّحِمُ وَالرَّحْمَةُ ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ : يَا أَهْلَ النَّارِ ، عَلَيْكُمْ غَضَبُ اللَّهِ ، يَا أَهْلَ النَّارِ ، عَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ، يَا أَهْلَ النَّارِ ، لَا لَبَّيْكُمْ وَلَا سَعْدَيْكُمْ ، مَاذَا تَقُولُونَ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ نَكُ فِي الدُّنْيَا آبَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ وَعَشِيرَتَكُمْ ، فَيَقُولُونَ : بَلَى ، فَيَقُولُونَ : أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ .
قَالَ ثَنِي حَجَّاجٌ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : ثَنِي عَبْدَةُ الْمَرْوَزِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ ، زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : بَلَغَنِي ، أَوْ ذُكِرَ لِي ، أَنَّ أَهْلَ النَّارِ اسْتَغَاثُوا بِالْخَزَنَةِ ، ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفُ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا قَالَ اللَّهُ ، فَلَمَّا أَيِسُوا نَادَوْا : يَا مَالِكُ ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ ، وَلَهُ مَجْلِسٌ فِي وَسَطِهَا ، وَجُسُورٌ تَمُرُّ عَلَيْهَا مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، فَهُوَ يَرَى أَقْصَاهَا كَمَا يَرَى أَدْنَاهَا ، فَقَالُوا : يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ سَأَلُوا الْمَوْتَ ، فَمَكَثَ لَا يُجِيبُهُمْ ثَمَانِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، ثُمَّ انْحَطَّ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ قَالُوا : فَاصْبِرُوا ، فَلَعَلَّ الصَّبْرَ يَنْفَعُنَا ، كَمَا صَبَرَ أَهْلُ الدُّنْيَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، قَالَ : فَصَبَرُوا ، فَطَالَ صَبْرُهُمْ ، فَنَادَوْا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ أَيْ مَنْجَى . فَقَامَ إِبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ فَخَطَبَهُمْ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ فَلَمَّا سَمِعُوا مَقَالَتَهُ ، مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ ، قَالَ : فَنُودُوا لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا الْآيَةَ ، قَالَ : فَيُجِيبُهُمُ اللَّهُ ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾ قَالَ : فَيَقُولُونَ : مَا أَيِسْنَا بَعْدُ ; قَالَ : ثُمَّ دَعَوْا مَرَّةً أُخْرَى ، فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ قَالَ : فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا يَقُولُ الرَّبُّ : لَوْ شِئْتُ لَهَدَيْتُ النَّاسَ جَمِيعًا ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا يَقُولُ : بِمَا تَرَكْتُمْ أَنْ تَعْمَلُوا لِيَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ أَيْ تَرَكْنَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قَالَ : فَيَقُولُونَ : مَا أَيِسْنَا بَعْدُ ، قَالَ : فَيَدْعُونَ مَرَّةً أُخْرَى : رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ قَالَ : فَيُقَالُ لَهُمْ : أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ . الْآيَةَ ، قَالَ : فَيَقُولُونَ : مَا أَيِسْنَا بَعْدُ ثُمَّ قَالُوا مَرَّةً أُخْرَى : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَالَ : فَيَقُولُ : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ إِلَى : ( نَصِيرٍ ) ، ثُمَّ مَكَثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ نَادَاهُمْ : ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ قَالُوا : الْآنَ يَرْحَمُنَا ، فَقَالُوا عِنْدَ ذَلِكَ : رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا أَيِ : الْكِتَابُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا الْآيَةَ ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ : اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ قَالَ : فَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا أَبَدًا ، فَانْقَطَعَ عِنْدَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالرَّجَاءُ مِنْهُمْ .
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ يَنْبَحُ فِي وَجْهِ بَعْضٍ ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي حَدِيثِهِ : فَحَدَّثَنِي الْأَزْهَرُ بْنُ أَبِي الْأَزْهَرِ أَنَّهُ قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ٣٥ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ : فَوَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَالتَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، وَالْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى ، مَا تَكَلَّمَ أَهْلُ النَّارِ كَلِمَةً بَعْدَهَا إِلَّا الشَّهِيقَ وَالزَّعِيقَ فِي الْخُلْدِ أَبَدًا ، لَيْسَ لَهُ نَفَادٌ . قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، قَالَ : كُنَّا فِي جِنَازَةٍ وَمَعَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ ، فَجَلَسْنَا ، فَتَنَحَّى أَبُو جَعْفَرٍ ، فَبَكَى ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ؟ قَالَ : أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ لَا يَتَنَفَّسُونَ .
وَقَوْلُهُ : وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ يَقُولُ : كُنَّا قَوْمًا ضَلَلْنَا عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ ، وَقَصْدِ الْحَقِّ .