الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي . . "
) ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾( 111 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَاتَّخَذْتُمْ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ لِرَبِّكُمْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ فِي الدُّنْيَا ، الْقَائِلِينَ فِيهَا : رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ سُخْرِيًّا . وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ مِنْ ذِكْرِ الْفَرِيقِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( سُخْرِيًّا ) فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا بِكَسْرِ السِّينِ ، وَيَتَأَوَّلُونَ فِي كَسْرِهَا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْهُزْءُ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّهَا إِذَا ضُمَّتْ فَمَعْنَى الْكَلِمَةِ : السُّخْرَةُ وَالِاسْتِعْبَادُ .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ : فَاتَّخَذْتُمْ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِي فِي الدُّنْيَا هُزُؤًا وَلَعِبًا ، تَهْزَءُونَ بِهِمْ ، حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيًّا بِضَمِّ السِّينِ ، وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلِمَةِ فِي الضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَاحِدٌ . وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا لِجِّيٍّ وَلُجِّيٍّ ، وَدِرِّيٌّ ، وَدُرِّيٌّ ، مَنْسُوبٌ إِلَى الدُّرِّ ، وَكَذَلِكَ كِرْسِيٌّ وَكُرْسِيٌّ ; وَقَالُوا ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ كَذَلِكَ ، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ فِي جَمْعِ الْعَصَا : الْعِصِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَالْعُصِيُّ بِضَمِّهَا ; قَالُوا : وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الضَّمَّ فِي السِّخْرِيِّ ; لِأَنَّهُ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ فَمُصِيبٌ ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ مَنْ فَرَّقٍ بَيْنَ مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا كُسِرَتِ السِّينُ وَإِذَا ضُمَّتْ ; لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ سَمِعَ مِنَ الْعَرَبِ مَا حَكَيْتُ عَنْهُ . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِهِ عَنْ بَعْضِ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَعْنَاهُ مَكْسُورَةً سِينُهُ وَمَضْمُومَةً . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا قَالَ : هُمَا مُخْتَلِفَتَانِ : سِخْرِيًّا ، وَسُخْرِيًّا ، يَقُولُ اللَّهُ : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا قَالَ : هَذَا سِخْرِيًّا : يُسَخِّرُونَهُمْ ، وَالْآخَرُونَ : الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ هُمْ سُخْرِيًّا ، فَتِلْكَ سِخْرِيًّا يُسَخِّرُونَهُمْ عِنْدَكَ ، فَسَخَّرَكَ رَفَعَكَ فَوْقَهُ ، وَالْآخَرُونَ : اسْتَهْزَءُوا بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ هِيَ : سُخْرِيًّا يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ .
فَهُمَا مُخْتَلِفَتَانِ . وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ وَقَالَ : يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ كَمَا سَخِرَ قَوْمُ نُوحٍ بِنُوحٍ ، اتَّخَذُوهُمْ سُخْرِيًّا : اتَّخَذُوهُمْ هُزُؤًا ، لَمْ يَزَالُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ . وَقَوْلُهُ : حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي يَقُولُ : لَمْ يَزَلِ اسْتِهْزَاؤُكُمْ بِهِمْ ، أَنْسَاكُمْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِكُمْ بِهِمْ ذِكْرِي ، فَأَلْهَاكُمْ عَنْهُ وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ .
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي قَالَ : أَنْسَى هَؤُلَاءِ اللَّهَ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِهِمْ ، وَضَحِكُهُمْ بِهِمْ ، وَقَرَأَ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ حَتَّى بَلَغَ : إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ . وَقَوْلُهُ : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنِّي أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ الْمُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ ، جَزَيْتُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ فِي الدُّنْيَا سُخْرِيًّا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِي ، وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ الْيَوْمَ ، بِمَا صَبَرُوا عَلَى مَا كَانُوا يَلْقَوْنَ بَيْنَكُمْ مِنْ أَذَى سُخْرِيَتِكُمْ وَضَحِكِكُمْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ . اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ : إِنَّهُمْ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ : أَنَّهُمْ بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّهُمْ بِمَعْنَى : جَزَيْتُهُمْ هَذَا ، فَأَنَّ فِي قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، بِوُقُوعِ قَوْلِهِ جَزَيْتُهُمْ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ ; وَقَدْ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا مَعْنَاهُ : إِلَى أَنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ بِمَا صَبَرُوا فِي الدُّنْيَا ، عَلَى مَا لَقُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : إِنِّي بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْهَا ، بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ ، وَقَالُوا : ذَلِكَ ابْتِدَاءٌ مِنَ اللَّهِ مَدْحُهُمْ .
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : جَزَيْتُهُمْ ، قَدْ عَمِلَ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ ، وَالْجَزَاءُ إِنَّمَا يَعْمَلُ فِي مَنْصُوبَيْنِ ، وَإِذَا عَمِلَ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْعَمَلُ فِي أَنْ فَيَصِيرُ عَامِلًا فِي ثَلَاثَةٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ التَّكْرِيرَ ، فَيَكُونُ نَصْبُ أَنَّ حِينَئِذٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ، لَا بِقَوْلِهِ : جَزَيْتُهُمْ ، وَإِنْ هِيَ نُصِبَتْ بِإِضْمَارِ لَامٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا كَبِيرُ مَعْنًى ; لِأَنَّ جَزَاءَ اللَّهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، وَجَزَاؤُهُ إِيَّاهُمْ ، وَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ هُوَ الْفَوْزُ ، فَلَا مَعْنَى لِأَنْ يَشْرُطَ لَهُمُ الْفَوْزَ بِالْأَعْمَالِ ثُمَّ يُخْبِرُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا فَازُوا ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا ذَكَرْنَا : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ الْجَنَّةَ بِمَا صَبَرُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى أَذَاكُمْ بِهَا فِي أَنَّهُمُ الْيَوْمَ هُمُ الْفَائِزُونَ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ وَالْكَرَامَةِ الْبَاقِيَةِ أَبَدًا ; بِمَا عَمِلُوا مِنْ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ فِي الدُّنْيَا ، وَلَقُوا فِي طَلَبِ رِضَايَ مِنَ الْمَكَارِهِ فِيهَا .