حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ . . "

) وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، فَقَالَ : وَالَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ رَبِّهِمْ وَكَذَّبُوا بِهَذَا الْقُرْآنِ ، وَبِمَنْ جَاءَ بِهِ مَثَلُ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا ( كَسَرَابٍ ) يَقُولُ : مَثَلُ سَرَابٍ ، وَالسَّرَابُ مَا لَصِقَ بِالْأَرْضِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ نِصْفَ النَّهَارِ ، وَحِينَ يَشْتَدُّ الْحُرُّ وَالْآلُ ، مَا كَانَ كَالْمَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ أَوَّلَ النَّهَارِ ، يَرْفَعُ كُلَّ شَيْءٍ ضُحًى . وَقَوْلُهُ : ( بِقِيعَةٍ ) وَهِيَ جَمْعُ قَاعٍ ، كَالْجِيرَةِ جَمْعُ جَارٍ ، وَالْقَاعُ : مَا انْبَسَطَ مِنَ الْأَرْضِ وَاتَّسَعَ ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ . وَقَوْلُهُ : يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً يَقُولُ : يَظُنُّ الْعَطْشَانُ مِنَ النَّاسِ السَّرَابَ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ وَالْهَاءُ مِنْ ذِكْرِ السَّرَابِ ، وَالْمَعْنَى : حَتَّى إِذَا جَاءَ الظَّمْآنُ السَّرَابَ مُلْتَمِسًا مَاءً ، يَسْتَغِيثُ بِهِ مِنْ عَطَشِهِ ( لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) يَقُولُ : لَمْ يَجِدِ السَّرَابَ شَيْئًا ، فَكَذَلِكَ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي غُرُورٍ ، يَحْسَبُونَ أَنَّهَا مُنْجِيَتُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عَذَابِهِ ، كَمَا حَسِبَ الظَّمْآنُ الَّذِي رَأَى السَّرَابَ فَظَنَّهُ مَاءً يَرْوِيهِ مِنْ ظَمَئِهِ ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ وَصَارَ إِلَى الْحَاجَةِ إِلَى عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَرَى أَنَّهُ نَافِعُهُ عِنْدَ اللَّهِ ، لَمْ يَجِدْهُ يَنْفَعُهُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ كَانَ عَمِلَهُ عَلَى كُفْرٍ بِاللَّهِ ، وَوَجَدَ اللَّهَ ، هَذَا الْكَافِرُ عِنْدَ هَلَاكِهِ بِالْمِرْصَادِ ، فَوَفَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِسَابَ أَعْمَالِهِ الَّتِي عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا ، وَجَازَاهُ بِهَا جَزَاءَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مِنْهُ .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّرَابُ شَيْئًا ، فَعَلَامَ أُدْخِلَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى إِذَا جَاءَهُ ؟ قِيلَ : إِنَّهُ شَيْءٌ يُرَى مِنْ بَعِيدٍ كَالضَّبَابِ ، الَّذِي يُرَى كَثِيفًا مِنْ بَعِيدٍ ، وَالْهَبَاءِ ، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ الْمَرْءُ ، رَقَّ وَصَارَ كَالْهَوَاءِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا جَاءَ مَوْضِعَ السَّرَابِ ; لَمْ يَجِدِ السَّرَابَ شَيْئًا ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ السَّرَابِ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ ، ( وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) يَقُولُ وَاللَّهُ سَرِيعٌ حِسَابُهُ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ أَصَابِعَ ، وَلَا حِفْظٍ بِقَلْبٍ ، وَلَكِنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ الْعَبْدُ ، وَمِنْ بَعْدِ مَا عَمِلَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ ، قَالَ : ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ ، فَقَالَ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ قَالَ : وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا فَلَا يَجِدُ ، فَيُدْخِلُهُ النَّارَ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، بِنَحْوِهِ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَقُولُ : الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ .

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ . إِلَى قَوْلِهِ : ( وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) قَالَ : هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِرَجُلٍ عَطِشَ فَاشْتَدَّ عَطَشُهُ ، فَرَأَى سَرَابًا فَحَسِبَهُ مَاءً ، فَطَلَبَهُ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، حَتَّى أَتَاهُ ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ، وَقُبِضَ عِنْدَ ذَلِكَ ، يَقُولُ الْكَافِرُ كَذَلِكَ ، يَحْسَبُ أَنَّ عَمَلَهُ مُغْنٍ عَنْهُ ، أَوْ نَافِعُهُ شَيْئًا ، وَلَا يَكُونُ آتِيًا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ ، فَإِذَا أَتَاهُ الْمَوْتُ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ أَغْنَى عَنْهُ شَيْئًا ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِلَّا كَمَا نَفَعَ الْعَطْشَانَ الْمُشْتَدَّ إِلَى السَّرَابِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ .

قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ قَالَ : بِقَاعٍ مِنَ الْأَرْضِ ، وَالسَّرَابِ : عَمَلُهُ ، زَادَ الْحَارِثُ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْحَسَنِ : وَالسَّرَابُ : عَمَلُ الْكَافِرِ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا إِتْيَانُهُ إِيَّاهُ : مَوْتُهُ ، وَفِرَاقُهُ الدُّنْيَا ( وَوَجَدَ اللَّهَ ) عِنْدَ فِرَاقِهِ الدُّنْيَا ، فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ قَالَ : بِقِيعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ الْكَافِرِ ، يَقُولُ : يَحْسَبُ أَنَّهُ فِي شَيْءٍ ، كَمَا يَحْسَبُ هَذَا السَّرَابَ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ إِذَا مَاتَ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) .

إِلَى قَوْلِهِ : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ قَالَ : هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ قَدْ رَأَى السَّرَابَ ، وَوَثِقَ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ مَاءٌ ، فَلَمَّا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ، قَالَ : وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ أَعْمَالَهُمْ صَالِحَةٌ ، وَأَنَّهُمْ سَيَرْجِعُونَ مِنْهَا إِلَى خَيْرٍ ، فَلَمْ يَرْجِعُوا مِنْهَا إِلَّا كَمَا رَجَعَ صَاحِبُ السَّرَابِ ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ .

القراءات1 آية
سورة النور آية 391 قراءة

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    طسم سكت أبو جعفر على حروف الهجاء الثلاثة من غير تنفس . نَشَأْ أبدل الهمز ألفا أبو جعفر مطلقا ، وعند الوقف هشام وحمزة ولا إبدال فيه للسوسي لأنه مستثنى . نُنَـزِّلْ ، عَلَيْهِمْ ، فَظَلَّتْ ، يَأْتِيهِمْ ، عَنْهُ ، يَسْتَهْزِئُونَ ، لَهُوَ ، إِلَهًا غَيْرِي ، لَسَاحِرٌ ، وَقِيلَ . كله واضح . مِنَ السَّمَاءِ آيَةً أبدل الهمزة الثانية ياء خالصة المدنيان والمكي والبصري ورويس وحققها الباقون ، ولورش ثلاثة البدل . أَنْبَؤُا رسمت الهمزة على واو في بعض المصاحف ومجردة في بعضها ، وسبق حكم الوقف على مثله . لآيَةً لحمزة عند الوقف تحقيق الهمزة وتسهيلها . أَنِ ائْتِ أبدل الهمز وصلا ورش والسوسي وأبو جعفر . وحققه الباقون ، وأما عند الوقف على أَنِ فالكل يبتدئون بهمزة وصل مكسورة مع إبدال الهمزة الساكنة ياء ساكنة مدية . وقد سبق نظيره . إِنِّي أَخَافُ فتح الياء المدنيان والمكي والبصري ، وأسكنها غيرهم . يُكَذِّبُونِ ، و يَقْتُلُونِ أثبت الياء وصلا ووقفا فيهما يعقوب ، وحذفها الباقون في الحالين . وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ قرأ يعقوب بنصب القاف فيهما ، والباقون برفعها كذلك . إِسْرَائِيلَ سهل الهمزة مطلقا أبو جعفر مع المد والقصر ، وكذلك حمزة وقفا ، ولا ترقيق فيه لورش ، كما لا توسط له ولا مد في همزة . لِلْمَلإِ وقف عليه هشام وحمزة بالإبدال والتسهيل مع الروم . أَرْجِهْ قرأ قالون وابن وردان بترك الهمز وكسر الهاء من غير صلة ، وورش والكسائي وابن جماز وخلف في اختياره بترك الهمز وكسر الهاء مع الصلة ، وابن كثير وهشام بالهمز الساكن وضم الهاء مع الصلة ، والبصريان بالهمز الساكن وضم الهاء من غير صلة ،

موقع حَـدِيث