الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ "
) ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾( 50 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنْ يَكُنِ الْحَقُّ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَيَأْبَوْنَ وَيُعْرِضُونَ عَنِ الْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ ، قَبِلَ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ - يَأْتُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مُذْعِنِينَ ، يَقُولُ : مُذْعِنِينَ مُنْقَادِينَ لِحُكْمِهِ ، مُقِرِّينَ بِهِ طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ ، يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ أَذْعَنَ فُلَانٌ بِحَقِّهِ إِذَا أَقَرَّ بِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُسْتَكْرَهٍ وَانْقَادَ لَهُ وَسَلَّمَ . وَكَانَ مُجَاهِدٌ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ قَالَ : سِرَاعًا . وَقَوْلُهُ : أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَفِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، شَكٌّ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ ، فَهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى حُكْمِهِ وَالرِّضَا بِهِ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ إِذَا احْتَكَمُوا إِلَى حُكْمِ كِتَابِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ وَقَالَ : أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ وَالْمَعْنَى : أَنْ يَحِيفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَبَدَأَ بِاللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ ، كَمَا يُقَالُ : مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ ، بِمَعْنَى شِئْتَ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَأَفْرَدَ الرَّسُولَ بِالْحُكْمِ ، وَلَمْ يَقُلْ : لِيَحْكُمَا . وَقَوْلُهُ : بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَقُولُ : مَا خَافَ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ ، إِذْ أَعْرَضُوا عَنِ الْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا دُعُوا إِلَيْهِ ، أَنْ يَحِيفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ، فَيَجُورُ فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ أَهْلُ ظُلْمٍ لِأَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِهِمْ أَمْرَ رَبِّهِمْ ، وَمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ مِنَ الرِّضَا بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا ، وَالتَّسْلِيمِ لَهُ .