حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا "

) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الَّذِي مَدَّ الظِّلَّ ثُمَّ جَعَلَ الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ اللَّيْلَ لِبَاسًا . وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لِخَلْقِهِ جُنَّةً يَجْتَنُونَ فِيهَا وَيَسْكُنُونَ ، فَصَارَ لَهُمْ سِتْرًا يَسْتَتِرُونَ بِهِ ، كَمَا يَسْتَتِرُونَ بِالثِّيَابِ الَّتِي يُكْسَوْنَهَا . وَقَوْلُهُ : وَالنَّوْمَ سُبَاتًا يَقُولُ : وَجَعَلَ لَكُمُ النَّوْمَ رَاحَةً تَسْتَرِيحُ بِهِ أَبْدَانُكُمْ ، وَتَهْدَأُ بِهِ جَوَارِحُكُمْ .

وَقَوْلُهُ : وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَجَعَلَ النَّهَارَ يَقَظَةً وَحَيَاةً مِنْ قَوْلِهِمْ : نُشِرَ الْمَيِّتُ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأَوْا يَا عَجَبَا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا قَالَ : يُنْشَرُ فِيهِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، أَنَّهُ عَقِيبَ قَوْلِهِ : وَالنَّوْمَ سُبَاتًا فِي اللَّيْلِ .

فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَوَصْفُ النَّهَارِ بِأَنَّ فِيهِ الْيَقَظَةَ وَالنُّشُورَ مِنَ النَّوْمِ أَشْبَهُ إِذْ كَانَ النَّوْمُ أَخَا الْمَوْتِ . وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ النَّهَارَ مَعَاشًا ، وَفِيهِ الِانْتِشَارُ لِلْمَعَاشِ ، وَلَكِنَّ النُّشُورَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : نَشَرَ ، فَهُوَ بِالنَّشْرِ مِنَ الْمَوْتِ وَالنَّوْمِ أَشْبَهُ ، كَمَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ وَقَامَ مِنْ نَوْمِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ .

موقع حَـدِيث