حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ . . "

) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاللَّهُ الَّذِي خَلَطَ الْبَحْرَيْنِ ، فَأَمْرَجَ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ ، وَأَفَاضَهُ فِيهِ . وَأَصْلُ الْمَرَجِ الْخَلْطُ ، ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّخْلِيَةِ مَرَجٌ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَلَّى الشَّيْءَ حَتَّى اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ ، فَكَأَنَّهُ قَدْ مَرَجَهُ ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوْلُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا كُنْتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ ، قَدْ مَرَجْتَ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ ، وَصَارُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : قَدْ مَرَجْتِ : اخْتَلَطَتْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أَيْ مُخْتَلَطٍ .

وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمَرَجِ مَرَجٌ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الدَّوَابِّ ، وَيُقَالُ : مَرَجْتَ دَابَّتَكَ : أَيْ خَلَّيْتَهَا تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ . وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : رَعَى بِهَا مَرَجَ رَبِيعٍ مَمْرَجٍ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَعْنِي أَنَّهُ خَلَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ .

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أَفَاضَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَقُولُ : خَلَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ .

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( مَرَجَ ) أَفَاضَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ . وَقَوْلُهُ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ الْفُرَاتُ : شَدِيدُ الْعُذُوبَةِ ، يُقَالُ : هَذَا مَاءٌ فُرَاتٌ : أَيْ شَدِيدُ الْعُذُوبَةِ وَقَوْلُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ يَقُولُ : وَهَذَا مِلْحٌ مُرٌّ ، يَعْنِي بِالْعَذْبِ الْفُرَاتِ : مِيَاهُ الْأَنْهَارِ وَالْأَمْطَارِ ، وَبِالْمِلْحِ الْأُجَاجِ : مِيَاهُ الْبِحَارِ . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ ، يَخْلِطُ مَاءَ الْبَحْرِ الْعَذْبِ بِمَاءِ الْبَحْرِ الْمِلْحِ الْأُجَاجِ ، ثُمَّ يَمْنَعُ الْمِلْحَ مِنْ تَغْيِيرِ الْعَذْبِ عَنْ عُذُوبَتِهِ ، وَإِفْسَادِهِ إِيَّاهُ بِقَضَائِهِ وَقُدْرَتِهِ ، لِئَلَّا يَضُرَّ إِفْسَادُهُ إِيَّاهُ بِرُكْبَانِ الْمِلْحِ مِنْهُمَا ، فَلَا يَجِدُوا مَاءً يَشْرَبُونَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْمَاءِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا يَعْنِي حَاجِزًا يَمْنَعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ إِفْسَادِ الْآخَرِ وَحِجْرًا مَحْجُورًا يَقُولُ : وَجَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَرَامًا مُحَرَّمًا عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيُفْسِدَهُ .

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ يَعْنِي أَنَّهُ خَلَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ الْعَذْبُ الْمَالِحَ ، وَلَيْسَ يُفْسِدُ الْمَالِحُ الْعَذْبَ ، وَقَوْلُهُ : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا قَالَ : الْبَرْزَخُ : الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا وَحِجْرًا مَحْجُورًا يَعْنِي : حَجَرَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا قَالَ : مَحْبِسًا ، قَوْلُهُ : وَحِجْرًا مَحْجُورًا قَالَ : لَا يَخْتَلِطُ الْبَحْرُ بِالْعَذْبِ .

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا قَالَ : حَاجِزًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ ، لَا يَخْتَلِطُ الْعَذْبُ فِي الْبَحْرِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَلَمْ أَجِدْ بَحْرًا عَذْبًا إِلَّا الْأَنْهَارَ الْعِذَابَ ، فَإِنَّ دِجْلَةَ تَقَعُ فِي الْبَحْرِ ، فَأَخْبَرَنِي الْخَبِيرُ بِهَا أَنَّهَا تَقَعُ فِي الْبَحْرِ ، فَلَا تَمُورُ فِيهِ بَيْنَهُمَا مِثْلُ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ ، فَإِذَا رَجَعَتْ لَمْ تَرْجِعْ فِي طَرِيقِهَا مِنَ الْبَحْرِ ، وَالنِّيلَ يَصُبُّ فِي الْبَحْرِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي أَبُو تُمَيْلَةَ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا قَالَ : الْبَرْزَخُ أَنَّهُمَا يَلْتَقِيَانِ فَلَا يَخْتَلِطَانِ ، وَقَوْلُهُ حِجْرًا مَحْجُورًا : أَيْ لَا تَخْتَلِطُ مُلُوحَةُ هَذَا بِعُذُوبَةِ هَذَا ، لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ .

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا قَالَ : هَذَا الْيُبْسُ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا قَالَ : جَعَلَ هَذَا مِلْحًا أُجَاجًا ، قَالَ : وَالْأُجَاجُ : الْمُرُّ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ يَقُولُ : خَلَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَلَا يُغَيِّرُ أَحَدُهُمَا طَعْمَ الْآخَرِ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا هُوَ الْأَجَلُ مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَحِجْرًا مَحْجُورًا جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حِجْرًا ، يَقُولُ : حَاجِزًا حَجَزَ أَحَدَهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ .

حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا وَجَعَلَ بَيْنِهِمَا سِتْرًا لَا يَلْتَقِيَانِ . قَالَ : وَالْعَرَبُ إِذَا كَلَّمَ أَحَدُهُمُ الْآخَرَ بِمَا يَكْرَهُ قَالَ حِجْرًا ، قَالَ : سِتْرًا دُونَ الَّذِي تَقُولُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا دُونَ الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : إِنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُمَا حَاجِزًا مِنَ الْأَرْضِ أَوْ مِنَ الْيُبْسِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ أَنَّهُ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ، وَالْمَرْجُ : هُوَ الْخَلْطُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ قَبْلُ ، فَلَوْ كَانَ الْبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ مِنَ الْبَحْرِينِ ، وَالْمِلْحِ الْأُجَاجِ أَرْضًا أَوْ يَبَسًا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَرَجٌ لِلْبَحْرَيْنِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ مَرَجَهُمَا ، وَإِنَّمَا عَرَّفَنَا قُدْرَتَهُ بِحَجْزِهِ هَذَا الْمِلْحَ الْأُجَاجَ عَنْ إِفْسَادِ هَذَا الْعَذْبِ الْفُرَاتِ ، مَعَ اخْتِلَاطِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ .

فَأَمَّا إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَيِّزٍ عَنْ حَيِّزِ صَاحِبِهِ ، فَلَيْسَ هُنَاكَ مَرَجٌ ، وَلَا هُنَاكَ مِنَ الْأُعْجُوبَةِ مَا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَهْلِ بِهِ مِنَ النَّاسِ ، وَيُذَكَّرُونَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَا ابْتَدَعَهُ رَبُّنَا عَجِيبًا ، وَفِيهِ أَعْظَمُ الْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ .

موقع حَـدِيث