الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا "
) ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾( 65 ) ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾( 66 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ يُصَلُّونَ لِلَّهِ ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ سُجُودٍ فِي صَلَاتِهِمْ وَقِيَامٍ . وَقَوْلُهُ : ( وَقِيَامًا ) جَمْعُ قَائِمٍ ، كَمَا الصِّيَامُ جَمْعُ صَائِمٍ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُمْ عِقَابَهُ وَعَذَابَهُ حَذَرًا مِنْهُ وَوَجَلًا . وَقَوْلُهُ : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا يَقُولُ : إِنَّ عَذَابَ جَهَنَّمَ كَانَ غَرَامًا مُلِحًّا دَائِمًا لَازِمًا غَيْرَ مُفَارِقٍ مَنْ عُذِّبَ بِهِ مِنَ الْكُفَّارِ ، وَمُهْلِكًا لَهُ .
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : رَجُلٌ مُغْرَمٌ ، مِنَ الْغُرْمِ وَالدَّيْنُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْغَرِيمِ غَرِيمٌ لِطَلَبِهِ حَقَّهُ ، وَإِلْحَاحِهِ عَلَى صَاحِبِهِ فِيهِ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ الْمُولَعِ لِلنِّسَاءِ : إِنَّهُ لَمُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ ، وَفُلَانٌ مُغْرَمٌ بِفُلَانٍ : إِذَا لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ ; وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى : إِنْ يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَامًا وَإِنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي يَقُولُ : إِنْ يُعَاقِبْ يَكُنْ عِقَابُهُ عِقَابًا لَازِمًا ، لَا يُفَارِقُ صَاحِبَهُ مُهْلِكًا لَهُ ، وَقَوْلُ بِشْرِ بْنِ أَبِي خَازِمٍ : وَيَوْمَ النِّسِارِ وَيَوْمَ الْجِفَا رِ كَانَ عِقَابًا وَكَانَ غَرَامَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ اللَّانِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنَ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا قَالَ : إِنَّ اللَّهَ سَأَلَ الْكُفَّارَ عَنْ نِعَمِهِ ، فَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِ ، فَأَغْرَمَهُمْ ، فَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ . قَالَ : ثَنَا الْمُعَافَى ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا قَالَ : قَدْ عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ غَرِيمٍ مُفَارِقٌ غَرِيمَهُ إِلَّا غَرِيمَ جَهَنَّمَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا قَالَ : الْغَرَامُ : الشَّرُّ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا قَالَ : لَا يُفَارِقُهُ . وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ يَقُولُ : إِنَّ جَهَنَّمَ سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ، يَعْنِي بِالْمُسْتَقَرِّ : الْقَرَارُ ، وَبِالْمُقَامِ : الْإِقَامَةُ ; كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : سَاءَتْ جَهَنَّمُ مَنْزِلًا وَمُقَامًا . وَإِذَا ضُمَّتِ الْمِيمُ مِنَ الْمُقَامِ فَهُوَ مِنَ الْإِقَامَةِ ، وَإِذَا فُتِحَتْ فَهُوَ مِنْ قُمْتُ ، وَيُقَالُ : الْمَقَامُ إِذَا فَتَحْتَ الْمِيمَ أَيْضًا هُوَ الْمَجْلِسُ ، وَمِنَ الْمُقَامِ بِضَمِّ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ ، قَوْلُ سَلَامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ : يَوْمِانِ : يَوْمُ مُقَامِاتٍ وَأَنْدِيَةٍ وَيَوْمُ سَيْرٍ إِلَى الْأَعْدَاءِ تَأْوِيبَ وَمِنَ الْمُقَامِ الَّذِي بِمَعْنَى الْمَجْلِسِ ، قَوْلُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ : فَأَيِّي مَا وَأَيُّكَ كَانَ شَرًّا فَقِيدَ إِلَى الْمَقَامَةِ لَا يَرَاهَا يَعْنِي : الْمَجْلِسُ .