الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا "
) ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾( 77 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أُولَئِكَ يَجْزُونَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا ، خَالِدِينَ فِي الْغُرْفَةِ ، يَعْنِي أَنَّهُمْ مَاكِثُونَ فِيهَا ، لَابِثُونَ إِلَى غَيْرِ أَمَدٍ ، حَسُنَتْ تِلْكَ الْغُرْفَةُ قَرَارًا لَهُمْ وَمُقَامًا . يَقُولُ : وَإِقَامَةً . وَقَوْلُهُ : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُرْسِلْتَ إِلَيْهِمْ : أَيُّ شَيْءٍ يَعُدُّكُمْ ، وَأَيُّ شَيْءٍ يَصْنَعُ بِكُمْ رَبِّي ؟ يُقَالُ مِنْهُ : عَبَأْتُ بِهِ أَعْبَأُ عَبْئًا ، وَعَبَّأْتُ الطِّيبَ أَعَبْؤُهُ : إِذَا هَيَّأْتَهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : كَأَنَّ بِنَحْرِهِ وَبِمَنْكِبَيْهِ عَبِيرًا بَاتَ يَعْبَؤُهُ عَرُوسُ يَقُولُ : يُهَيِّئُهُ وَيَعْمَلُهُ يَعْبَؤُهُ عَبًّا وَعُبُوءًا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : عَبَّأْتُ الْجَيْشَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ فَأَنَا أُعَبِّئُهُ : أُهَيِّئُهُ وَالْعِبْءُ : الثِّقَلُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي يَصْنَعُ لَوْلا دُعَاؤُكُمْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلَهُ : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي قَالَ : يَعْبَأُ : يَفْعَلُ . وَقَوْلُهُ : لَوْلا دُعَاؤُكُمْ يَقُولُ : لَوْلَا عِبَادَةُ مَنْ يَعْبُدُهُ مِنْكُمْ ، وَطَاعَةُ مَنْ يُطِيعُهُ مِنْكُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ يَقُولُ : لَوْلَا إِيمَانُكُمْ ، وَأَخْبَرَ اللَّهُ الْكُفَّارَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِمْ إِذْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ مُؤْمِنِينَ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ حَاجَةٌ لَحَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ كَمَا حَبَّبَهُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلَهُ : لَوْلا دُعَاؤُكُمْ قَالَ : لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إِيَّاهُ لِتَعْبُدُوهُ وَتُطِيعُوهُ .
وَقَوْلُهُ : فَقَدْ كَذَّبْتُمْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَخَالَفْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمُ الَّذِي أَمَرَ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ لَوْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ ، كَانَ يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ، فَسَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُكُمْ رَسُولَ رَبِّكُمْ ، وَخِلَافُكُمْ أَمْرَ بَارِئِكُمْ ، عَذَابًا لَكُمْ مُلَازِمًا ، قَتْلًا بِالسُّيُوفِ وَهَلَاكًا لَكُمْ مُفْنِيًا يَلْحَقُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ : فَفَاجَأَهُ بِعادِيَةٍ لِزَامٍ كَمَا يَتَفَجَّرُ الْحَوْضُ اللَّقِيفُ يَعْنِي بِاللِّزَامِ : الْكَبِيرَ الَّذِي يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَبِاللَّقِيفِ : الْمُتَسَاقِطَ الْحِجَارَةِ الْمُتَهَدِّمَ ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ ، وَصَدَقَهُمْ وَعْدَهُ ، وَقَتَلَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَيْدِي أَوْلِيَائِهِ ، وَأَلْحَقَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ الْعَذَابَ اللِّزَامَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَوْلًى لِشَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَلْمَانَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ : فَقَدْ كَذَّبَ الْكَافِرُونَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَدْهَمَ السَّدُوسِيُّ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ عَمَّارٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ : فَقَدْ كَذَّبَ الْكَافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ يَقُولُ : كَذَّبَ الْكَافِرُونَ أَعْدَاءُ اللَّهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ لِزَامًا يَوْمَ بَدْرٍ .
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ . قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَانُ ، وَاللِّزَامُ ، وَالْبَطْشَةُ ، وَالْقَمَرُ ، وَالرُّومُ . حَدَّثَنِي الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : هُوَ الْقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : اللِّزَامُ : يَوْمُ بَدْرٍ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا قَالَ : هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا قَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ .
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : اللِّزَامُ ، الْقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا الْكُفَّارُ كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ، وَهُوَ يَوْمُ بَدْرٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَدْ مَضَى اللِّزَامُ ، كَانَ اللِّزَامُ يَوْمَ بَدْرٍ ، أَسَرُوا سَبْعِينَ ، وَقَتَلُوا سَبْعِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى اللِّزَامِ : الْقِتَالُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا قَالَ : فَسَوْفَ يَكُونُ قِتَالًا ، اللِّزَامُ : الْقِتَالُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : اللِّزَامُ : الْمَوْتُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا قَالَ : مَوْتًا . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَسَوْفَ يَكُونُ جَزَاءً يَلْزَمُ كُلَّ عَامِلٍ مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ .
وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ . وَلِلنَّصْبِ فِي اللِّزَامِ وَجْهٌ آخَرُ غَيْرَ الَّذِي قُلْنَاهُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ ( يَكُونُ ) مَجْهُولٌ ، ثُمَّ يَنْصَبُّ اللِّزَامُ عَلَى الْخَبَرِ كَمَا قِيلَ : إِذَا كَانَ طَعْنًا بَيْنَهُمْ وَقِتَالًا وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِأَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا مَعْنَى لِلتَّشَاغُلِ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ .