الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ "
) ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾( 73 ) ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾( 74 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَهُمْ : هَلْ تَسْمَعُ دُعَاءَكُمْ هَؤُلَاءِ الْآلِهَةَ إِذْ تَدْعُونَهُمْ ؟ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ مَعْنَاهُ : هَلْ يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ أَوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعَاءَكُمْ . فَحَذَفَ الدُّعَاءَ ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ : الْقَائِدُ الْخَيْلَ مَنْكُوبًا دَوَابِرُهَا قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَاتُ الْقِدِّ وَالْأَبَقَا وَقَالَ : يُرِيدُ أُحْكِمَتْ حَكَمَاتُ الْأَبْقِ ، فَأَلْقَى الْحَكَمَاتِ وَأَقَامَ الْأَبْقَ مُقَامَهَا . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : الْفَصِيحُ مِنَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : سَمِعْتُ زَيْدًا مُتَكَلِّمًا ، يُرِيدُونَ : سَمِعْتُ كَلَامَ زِيدٍ ، ثُمَّ تَعْلَمُ أَنَّ السَّمْعَ لَا يَقَعُ عَلَى الْأَنَاسِيِّ .
إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى كَلَامِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ : سَمِعْتُ زَيْدًا : أَيْ سَمِعْتُ كَلَامَهُ . قَالَ : وَلَوْ لَمْ يُقَدِّمْ فِي بَيْتِ زُهَيْرٍ حَكَمَاتِ الْقَدِّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْبَقَ بِالْأَبْقِ عَلَيْهَا ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ : رَأَيْتُ الْأَبْقَ ، وَهُوَ يُرِيدُ الْحِكْمَةَ . وَقَوْلُهُ : ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ يَقُولُ : أَوْ تَنْفَعُكُمْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ ، فَيَرْزُقُونَكُمْ شَيْئًا عَلَى عِبَادَتِكُمُوهَا ، أَوْ يَضُرُّونَكُمْ فَيُعَاقِبُونَكُمْ عَلَى تَرْكِكُمْ عِبَادَتَهَا بِأَنْ يَسْلُبُوكُمْ أَمْوَالَكُمْ ، أَوْ يُهْلِكُوكُمْ إِذَا هَلَكْتُمْ وَأَوْلَادَكُمْ ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾.
وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَمَّا تُرِكَ ، وَذَلِكَ جَوَابُهُمْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُمْ : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ فَكَانَ جَوَابُهُمْ إِيَّاهُ : لَا مَا يَسْمَعُونَنَا إِذَا دَعَوْنَاهُمْ ، وَلَا يَنْفَعُونَنَا وَلَا يَضُرُّونَ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ بِذَلِكَ أَجَابُوهُ . قَوْلُهُمْ : بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَذَلِكَ رُجُوعٌ عَنْ مَجْحُودٍ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : مَا كَانَ كَذَا بَلْ كَذَا وَكَذَا ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ : وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَجَدْنَا مَنْ قَبْلَنَا ، وَلَا يَضُرُّونَ ، يدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ بِذَلِكَ أَجَابُوهُ ، قَوْلُهُمْ مِنْ آبَائِنَا يَعْبُدُونَهَا وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا لِخِدْمَتِهَا وَعِبَادَتِهَا ، فَنَحْنُ نَفْعَلُ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِهِمْ ، وَاتِّبَاعًا لِمِنْهَاجِهِمْ .