الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ . . . "
) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَقَدْ ذَكَّرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِيمَا مَضَى ، وَبَيَّنَّا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ ، غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَعْضَ مَا لَمْ يُذْكَرْ هُنَاكَ مِنَ الْأَخْبَارِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ . ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيمَا مَضَى قَبْلُ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ قَالَ كَهَيْئَةِ الْبُوقِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الصُّورُ : الْبُوقُ قَالَ : هُوَ الْبُوقُ صَاحِبُهُ آخِذٌ بِهِ يَقْبِضُ قَبْضَتَيْنِ بِكَفَّيْهِ عَلَى طَرْفِ الْقَرْنِ ، بَيْنَ طَرْفِهِ وَبَيْنَ فِيهِ قَدْرُ قَبْضَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ، قَدْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَةِ إِحْدَى رِجْلَيْهِ ، فَأَشَارَ ، فَبَرَكَ عَلَى رُكْبَةِ يَسَارِهِ مُقْعِيًا عَلَى قَدَمِهَا ، عَقِبُهَا تَحْتَ فَخِذِهِ وَأَلْيَتِهِ ، وَأَطْرَافُ أَصَابِعِهَا فِي التُّرَابِ .
قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : الصُّورُ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ قَدْ رَفَعَ إِحْدَى رُكْبَتَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَخَفَضَ الْأُخْرَى ، لَمْ يُلْقِ جُفُونَ عَيْنِهِ عَلَى غَمْضٍ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ مُسْتَعِدًّا مُسْتَجِدًّا ، قَدْ وَضَعَ الصُّورَ عَلَى فِيهِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ : يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الصُّورُ ؟ قَالَ : قَرْنٌ ، قَالَ : وَكَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ : قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نَفَخَاتٍ : الْأُولَى : نَفْخَةُ الْفَزَعِ ، وَالثَّانِيَةُ : نَفْخَةُ الصَّعْقِ ، وَالثَّالِثَةُ : نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى ، فَيَقُولُ : انْفُخْ نَفْخَةَ الْفَزَعِ ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الْفَزَعِ ، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَيَأْمُرُهُ اللَّهُ فَيَمُدُّ بِهَا وَيُطَوِّلُهَا ، فَلَا يَفْتُرُ ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ﴾ فَيُسَيِّرُ اللَّهُ الْجِبَالَ ، فَتَكُونُ سَرَابًا ، وَتُرَجُّ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ : ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ فَتَكُونُ الْأَرْضُ كَالسَّفِينَةِ الْمُوثَقَةِ فِي الْبَحْرِ ، تَضْرِبُهَا الْأَمْوَاجُ ، تُكْفَأُ بِأَهْلِهَا ، أَوْ كَالْقِنْدِيِلِ الْمُعَلَّقِ بِالْوَتَرِ ، تُرَجِّحُهُ الْأَرْيَاحُ ، فَتَمِيدُ النَّاسُ عَلَى ظَهْرِهَا ، فَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ ، وَتَشِيبُ الْوِلْدَانُ ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً ، حَتَّى تَأْتِيَ الْأَقْطَارَ ، فَتَتَلَقَّاهَا الْمَلَائِكَةُ ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا ، فَتَرْجِعُ ، وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَهُوَ الَّذِي يَقُوُلُ اللَّهُ : يَوْمَ التَّنَادِ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا ، فَأَخَذَهُمْ لِذَلِكَ مِنَ الْكَرْبِ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ ، ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ ، فَإِذَا هِيَ كَالْمُهْلِ ، ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُهَا وَقَمَرُهَا ، وَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا ، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالْأَمْوَاتُ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ حِينَ يَقُولُ : فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ : أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ ، وَإِنَّمَا يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَى الْأَحْيَاءِ ، أُولَئِكَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، وَقَاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَآمَنَهُمْ ، وَهُوَ عَذَابُ اللَّهِ يَبْعَثُهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا فَرَغَ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، خَلَقَ الصُّورَ فَأَعْطَاهُ مَلَكًا ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ ، شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى الْعَرْشِ ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الصُّورُ ؟ قَالَ : قَرْنٌ ، قُلْتُ : فَكَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ : عَظِيمٌ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ عِظَمَ دَائِرَةِ فِيهِ ، لَكَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يَأْمُرُهُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الْفَزَعِ ، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ عَنِ الْمُحَارِبِيِّ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ كَالسَّفِينَةِ الْمُرْفَأَةِ فِي الْبَحْرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَنُفِخَ فِي صُورِ الْخَلْقِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أَيْ فِي الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ يَقُولُ : فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالشَّيَاطِينِ ، مِنْ هَوْلِ مَا يُعَايِنُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : ( فَفَزِعَ ) ، فَجَعَلَ فَزِعَ وَهِيَ فِعْلٌ مَرْدُودَةً عَلَى يُنْفَخُ ، وَهِيَ يُفْعَلُ ؟ قِيلَ : الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَصْلُحُ فِيهَا إِذَا ، لِأَنَّ إِذَا يَصْلُحُ مَعَهَا فَعَلَ وَيَفْعَلُ ، كَقَوْلِكَ : أَزُورُكَ إِذَا زُرْتَنِي ، وَأَزُورُكَ إِذَا تَزُورُنِي ، فَإِذَا وُضِعَ مَكَانَ إِذَا يَوْمَ أُجْرِيَ مَجْرَى إِذَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَأَيْنَ جَوَابُ قَوْلِهِ : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ ؟ قِيلَ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا مَعَ الْوَاوِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ﴾، وَذَلِكَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَتْرُوكًا اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْهُ ، كَمَا قِيلَ : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتُرِكَ جَوَابُهُ . وَقَوْلُهُ : ( إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) قِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَنْ يَنَالَهُمُ الْفَزَعُ يَوْمَئِذٍ الشُّهَدَاءُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، وَإِنْ كَانُوا فِي عِدَادِ الْمَوْتَى عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا ، وَبِذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْخَبَرِ الْمَاضِي .
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ : هُمُ الشُّهَدَاءُ . وَقَوْلُهُ : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ يَقُولُ : وَكَلٌّ أَتَوْهُ صَاغِرِينَ . وَبِمَثَلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ يَقُولُ : صَاغِرِينَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ قَالَ : صَاغِرِينَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ قَالَ : الدَّاخِرُ : الصَّاغِرُ الرَّاغِمُ ، قَالَ : لِأَنَّ الْمَرْءَ الَّذِي يَفْزَعُ إِذَا فَزِعَ إِنَّمَا هِمَّتُهُ الْهَرَبُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي فَزِعَ مِنْهُ ، قَالَ : فَلَمَّا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَزِعُوا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَنْجَى .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ : وَكُلٌّ آتُوهُ بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ أَتَوْهُ عَلَى مِثَالِ فَاعِلُوهُ سِوَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَإِنَّهُ قَرَأَهُ : وَكُلٌّ أَتُوهُ عَلَى مِثَالِ فَعَلُوهُ ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ ، وَاعْتَلَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ عَلَى مِثَالِ فَاعِلُوهُ بِإِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى قَوْلِهِ : ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ ) قَالُوا : فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : آتُوهُ فِي الْجَمْعِ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ رَدُّوهُ عَلَى قَوْلِهِ : ( فَفَزِعَ ) كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَأَتَوْهُ كُلُّهُمْ دَاخِرِينَ ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : رَأَى وَفَرَّ وَعَادَ وَهُوَ صَاغِرٌ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ ، وَمُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .