الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ . . . . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِنْ لَمْ يُجِبْكَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ : سَحَرَانِ تَظَاهَرَا ، الزَّاعِمُونَ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْيَهُودِ يَا مُحَمَّدُ ، إِلَى أَنْ يَأْتُوكَ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا ، فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ، وَأَنَّ الَّذِي يَنْطِقُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ فِي الْكِتَابَيْنِ قَوْلُ كَذِبٍ وَبَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُولَ : أَوَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَ الْقَائِلُونَ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنَ الْإِفْكِ وَالزُّورِ ، الْمُسَمُّوهُمَا سِحْرَيْنِ بَاطِلٌ مِنَ الْقَوْلِ ، إِلَّا بِأَنْ لَا يُجِيبُوهُ إِلَى إِتْيَانِهِمْ بِكِتَابٍ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا ؟ قِيلَ : هَذَا كَلَامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخِطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَقُولُ لَهُمْ : أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ : أَوَلَمْ يَكْفُرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرُوكُمْ أَنْ تَقُولُوا : هَلَّا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى - بِالَّذِي أُوتِيَ مُوسَى - مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ؟ وَيَقُولُوا لِلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيسَى سِحْرَانِ تَظَاهَرَا فَقُولُوا لَهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى سِحْرٌ ، فَأْتَوْنِي بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، هُوَ أَهْدَى مِنْ كِتَابَيْهِمَا ، فَإِنْ هُمْ لَمْ يُجِيبُوكُمْ إِلَى ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنَّهُمْ كَذَبَةٌ ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ، وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَهْوَاءَ أَنْفُسِهِمْ ، وَيَتْرُكُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَنْ أَضَلُّ عَنْ طَرِيقِ الرَّشَادِ ، وَسَبِيلِ السَّدَادِ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَى نَفْسِهِ بِغَيْرِ بَيَانٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ ، وَيَتْرُكْ عَهْدَ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَى خَلْقِهِ فِي وَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُوَفِّقُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَسَبِيلِ الرُّشْدِ الْقَوْمَ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَتَرَكُوا طَاعَتَهُ ، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ ، وَبَدَّلُوا عَهْدَهُ ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِهِمْ إِيثَارًا مِنْهُمْ لِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ .