الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ ( يُؤْتَوْنَ ) ثَوَابَ عَمَلِهِمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الصَّبْرِ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ مَا وَعَدَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَعَدَهُمْ مَا وَعَدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِصَبْرِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ، وَاتِّبَاعِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَبْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ . وَذَلِكَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ وَعَدَهُمْ بِصَبْرِهِمْ بِإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ ، وَبِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ حِينَ بُعِثَ ، وَذَلِكَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا قَبْلُ ، وَمِمَّنْ وَافَقَ قَتَادَةَ عَلَى قَوْلِهِ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ . قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ عَلَى دِينِ عِيسَى ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمُوا ، فَكَانَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَدَخَلُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَامِ .
وَقَالَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : إِنْ قَوَّمَا كَانُوا مُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا ، فَكَانَ قَوْمُهُمْ يُؤْذُونَهُمْ ، فَنَزَلَتْ : أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَقَوْلُهُ : وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يَقُولُ : وَيَدْفَعُونَ بِحَسَنَاتِ أَفْعَالِهِمُ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا سَيِّئَاتَهُمْ ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) مِنَ الْأَمْوَالِ ( يُنْفِقُونَ ) فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، إِمَّا فِي جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَإِمَّا فِي صَدَقَةٍ عَلَى مُحْتَاجٍ ، أَوْ فِي صِلَةِ رَحِمٍ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ قَالَ اللَّهُ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَأَحْسَنَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الثَّنَاءَ كَمَا تَسْمَعُونَ ، فَقَالَ : وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ .