الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ "
) ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾( 2 ) ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾( 3 ) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾( 4 ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا تَأْوِيلَ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الم . وَقَوْلُهُ : ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : هَذِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا . وَقَوْلُهُ : هُدًى وَرَحْمَةً يَقُولُ : هَذِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ بَيَانًا وَرَحْمَةً مِنَ اللَّهِ ، رَحِمَ بِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ ، وَعَمِلَ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ .
وَبِنَصْبِ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ آيَاتِ الْكِتَابِ قَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ غَيْرَ حَمْزَةَ فَإِنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ ، إِذْ كَانَ مُنْقَطِعًا عَنِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ آيَةٍ وَأَنَّهُ مَدْحٌ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ مِنْ نُعُوتِ الْمَعَارِفِ وَقَعَ مَوْقِعَ الْحَالِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ . وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ صَوَابٌ عِنْدِي ، وَإِنْ كُنْتُ إِلَى النَّصْبِ أَمِيلُ ؛ لِكَثْرَةِ الْقُرَّاءِ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( لِلْمُحْسِنِينَ ) وَهُمُ الَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي الْعَمَلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذَا الْقُرْآنِ .
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَذَا الْكِتَابُ الْحَكِيمُ هُدًى وَرَحْمَةً لِلَّذِينِ أَحْسَنُوا ، فَعَمِلُوا بِمَا فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يَقُولُ : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بِحُدُودِهَا وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ مَنْ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ الْمَفْرُوضَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ يَقُولُ : يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَهُمْ بِجَزَاءِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ يُوقِنُونَ .