حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ . . . "

) اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى الْهَاءِ وَالْأَلِفِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّهَا ) فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيئَةِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ : يَا بُنَيَّ ، إِنَّ الْمَعْصِيَةَ إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، أَوْ إِنَّ الْخَطِيئَةَ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : وَهَذِهِ الْهَاءُ عِمَادٌ .

وَقَالَ : أَنَّثَ تَكُ ، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهَا الْحَبَّةُ ، فَذَهَبَ بِالتَّأْنِيثِ إِلَيْهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَتَشْرَقُ بِالْقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَذَعْتَهُ كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ وَقَالَ صَاحِبُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : يَجُوزُ نَصْبُ الْمِثْقَالَ وَرَفْعُهُ ، قَالَ : فَمَنْ رَفَعَ رَفَعَهُ ( بِ تَكُ ) ، وَاحْتَمَلَتِ النَّكِرَةُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا فِعْلٌ فِي كَانَ وَلَيْسَ وَأَخَوَاتِهَا ، وَمَنْ نَصَبَ جَعَلَ فِي تَكُنْ اسْمًا مُضْمَرًا مَجْهُولًا مِثْلَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّهَا إِنْ تَكُ ) : وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ قَالَ : وَلَوْ كَانَ ( إِنْ يَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ) كَانَ صَوَابًا ، وَجَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ . وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّ نَصْبَ مِثْقَالٍ فِي قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ ، وَتَمَامُ كَانَ ، وَقَالَ : رَفَعَ بَعْضُهُمْ فَجَعَلَهَا كَانَ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي ، الْقَوْلُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَمْ يَعِدْ عِبَادَهُ أَنْ يُوَفِّيَهُمْ جَزَاءَ سَيِّئَاتِهِمْ دُونَ جَزَاءِ حَسَنَاتِهِمْ ، فَيُقَالُ : إِنَّ الْمَعْصِيَةَ إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ يَأْتِ اللَّهُ بِهَا ، بَلْ وَعَدَ كِلَا الْعَامِلَيْنِ أَنْ يُوَفِّيَهُ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمَا .

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّهَا ) بِأَنْ تَكُونَ عِمَادًا أَشْبَهُ مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْخَطِيئَةِ وَالْمَعْصِيَةِ . وَأَمَّا النَّصْبُ فِي الْمِثْقَالِ ، فَعَلَى أَنَّ فِي تَكُ مَجْهُولًا وَالرَّفْعُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُضْمَرٌ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : إِنْ تَكُ فِي مَوْضِعِ مِثْقَالِ حَبَّةٍ ؛ لِأَنَّ النَّكِرَاتِ تُضْمَرُ أَخْبَارَهَا ، ثُمَّ يُتَرْجِمُ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ مِثْقَالُ الْحَبَّةِ . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : مِثْقَالَ حَبَّةٍ : زِنَةَ حَبَّةٍ .

فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ : إِنَّ الْأَمْرَ إِنْ تَكُ زِنَةُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ عَمِلْتَهُ ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ، أَوْ فِي السَّمَوَاتِ ، أَوْ فِي الْأَرْضِ ، يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حَتَّى يُوَفِّيَكَ جَزَاءَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ .

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهَا الصَّخْرَةَ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَرْضُ ، وَذَلِكَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ ، وَقَالُوا : هِيَ صَخْرَةٌ خَضْرَاءُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : الصَّخْرَةُ خَضْرَاءُ عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ . حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ عَلَى حُوتٍ ، وَالْحُوتُ هُوَ النُّونُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ وَالْحُوتُ فِي الْمَاءِ ، وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَاةٍ ، وَالصَّفَاةُ عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ ، وَالْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ ، وَالصَّخْرَةُ فِي الرِّيحِ ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَ لُقْمَانُ لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ ، وَلَا فِي الْأَرْضِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِهَا الْجِبَالَ ، قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَتَكُنْ فِي جَبَلٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَيْ : جَبَلٍ . وَقَوْلُهُ : يَأْتِ بِهَا اللَّهُ كَانَ بَعْضُهُمْ يُوَجِّهُ مَعْنَاهُ إِلَى : يَعْلَمُهُ اللَّهُ ، وَلَا أَعْرِفُ يَأْتِي بِهِ بِمَعْنَى : يَعْلَمُهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّ لُقْمَانَ إِنَّمَا وَصَفَ اللَّهَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَمَاكِنَهُ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَكَانُ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَيَكُونُ وَجْهًا .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَيَحْيَى قَالَا : ثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ قَالَ : يَعْلَمُهَا اللَّهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ مِثْلَهُ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بِاسْتِخْرَاجِ الْحَبَّةِ مِنْ مَوْضِعِهَا حَيْثُ كَانَتْ ، خَبِيرٌ بِمَوْضِعِهَا .

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ أَيْ : لَطِيفٌ بِاسْتِخْرَاجِهَا ، خَبِيرٌ بِمُسْتَقَرِّهَا .

موقع حَـدِيث