الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ ، اتَّقُوا اللَّهَ ، وَخَافُوا أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ سُخْطُهُ فِي يَوْمٍ لَا يُغْنِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ، وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ مُغْنٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَصِيرُ هُنَالِكَ بِيَدِ مَنْ لَا يُغَالَبُ ، وَلَا تَنْفَعُ عِنْدَهُ الشَّفَاعَةُ وَالْوَسَائِلُ ، إِلَّا وَسِيلَةٌ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَسْلَفَهَا فِي الدُّنْيَا . وَقَوْلُهُ : إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يَقُولُ : اعْلَمُوا أَنَّ مَجِيءَ هَذَا الْيَوْمِ حَقٌّ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَ عِبَادَهُ وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا يَقُولُ : فَلَا تَخْدَعَنَّكُمْ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا ، فَتَمِيلُوا إِلَيْهَا ، وَتَدَعُوا الِاسْتِعْدَادَ لِمَا فِيهِ خَلَاصُكُمْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ . وَقَوْلُهُ : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يَقُولُ : وَلَا يَخْدَعَنَّكُمْ بِاللَّهِ خَادِعٌ .
وَالْغَرُورُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ : هُوَ مَا غَرَّ الْإِنْسَانَ مِنْ شَيْءٍ كَائِنًا مَا كَانَ شَيْطَانًا كَانَ أَوْ إِنْسَانًا ، أَوْ دُنْيَا ، وَأَمَّا الْغُرُورُ بِضَمِّ الْغَيْنِ : فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : غَرَرْتُهُ غُرُورًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : ( الْغَرُورُ ) قَالَ : الشَّيْطَانُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ذَاكُمُ الشَّيْطَانُ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ الْمَرْوَزِيَّ ، يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ( الْغَرُورُ ) قَالَ : الشَّيْطَانُ . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ الْغَرُورَ بِمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ قَالَ : أَنْ تَعْمَلَ بِالْمَعْصِيَةِ وَتَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ .