الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٦ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَذَا الَّذِي يَفْعَلُ مَا وَصَفْتُ لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ ، هُوَ ( عَالَمُ الْغَيْبِ ) ، يَعْنِي عَالِمَ مَا يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، فَلَا تُبْصِرُونَهُ مِمَّا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ وَتُخْفِيهِ النُّفُوسُ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ ، ( وَالشَّهَادَةُ ) يَعْنِي : مَا شَاهَدَتْهُ الْأَبْصَارُ فَأَبْصَرَتْهُ وَعَايَنَتْهُ وَمَا هُوَ مَوْجُودٌ ( الْعَزِيزُ ) يَقُولُ : الشَّدِيدُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ ، وَأَشْرَكَ مَعَهُ غَيْرَهُ ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ ( الرَّحِيمُ ) بِمَنْ تَابَ مِنْ ضَلَالَتِهِ ، وَرَجَعَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ، أَنْ يُعَذِّبَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ . وَقَوْلُهُ : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بِسُكُونِ اللَّامِ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ وَعَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللَّامِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ ، وَأَحْكَمُ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَحْكَمَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِشْكَابُ قَالَ : ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ خَصِيفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قَالَ : أَمَا إِنَّ اسْتَ الْقِرْدِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ ، وَلَكِنْ أَحْكَمَ خَلْقَهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَ : ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قَالَ : أَمَا إِنَّ اسْتَ الْقِرْدِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ وَلَكِنَّهُ أَحْكَمَهَا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قَالَ : أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ : أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : الَّذِي حَسَّنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ حَسَّنَ عَلَى نَحْوِ مَا خَلَقَ . وَذُكِرَ عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : هُوَ مِثْلُ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قَالَ : فَلَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الْبَهَائِمِ فِي خَلْقِ النَّاسِ ، وَلَا خَلْقَ النَّاسِ فِي خَلْقِ الْبَهَائِمِ وَلَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَعْلَمَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّهُ أَلْهَمَ خَلْقَهُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : ( أَحْسَنَ ) إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : فُلَانٌ يُحْسِنُ كَذَا ، إِذَا كَانَ يَعْلَمُهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قَالَ : أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، قَالَ : الْإِنْسَانَ إِلَى الْإِنْسَانِ ، وَالْفَرَسَ لِلْفَرَسِ ، وَالْحِمَارَ لِلْحِمَارِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْخَلْقُ وَالْكُلُّ مَنْصُوبَانِ بِوُقُوعِ أَحْسَنَ عَلَيْهِمَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بِفَتْحِ اللَّامِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ أَحْكَمَ وَأَتْقَنَ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنًى لِذَلِكَ إِذْ قُرِئَ كَذَلِكَ إِلَّا أَحَدَ وَجْهَيْنِ : إِمَّا هَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ ، أَوْ مَعْنَى التَّحْسِينِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْجَمَالِ وَالْحُسْنِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي خَلْقِهِ مَا لَا يُشَكُّ فِي قُبْحِهِ وَسَمَاجَتِهِ ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِهِ أَنَّهُ أَحْسَنَ كُلَّ مَا خَلَقَ ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَحْكَمَهُ وَأَتْقَنُ صَنْعَتَهُ ، وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ بِتَسْكِينِ اللَّامِ ، فَإِنَّ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَعْلَمَ وَأَلْهَمَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، هُوَ أَحْسَنُهُمْ ، كَمَا قَالَ : ( الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ .
وَأَمَّا الَّذِي وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى : الَّذِي أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْخَلْقَ نَصْبًا بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقًا مِنْهُ . وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : هُوَ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ ، وَيُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ : وَظَعْنِي إِلَيْكَ لِلَّيْلِ حِضْنَيْهِ أَنَّنِي لِتِلْكَ إِذَا هَابَ الْهِدَانُ فَعُولُ يَعْنِي : وَظَعْنِي حِضْنَيِ اللَّيْلِ إِلَيْكَ ؛ وَنَظِيرُ قَوْلِ الْآخَرِ : كَأَنَّ هِنْدًا ثَنَايَاهَا وَبَهْجَتَهَا يَوْمَ الْتَقَيْنَا عَلَى أَدْحَالِ دَبَّابِ أَيْ : كَأَنَّ ثَنَايَا هِنْدٍ وَبَهْجَتِهَا . وَقَوْلُهُ : وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَبَدَأَ خَلْقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ يَعْنِي : ذُرِّيَّتَهُ مِنْ سُلَالَةٍ ، يَقُولُ : مِنَ الْمَاءِ الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ .
وَإِنَّمَا يَعْنِي مِنْ إِرَاقَةٍ مِنْ مَائِهِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَجَاءَتْ بِهِ عَضْبَ الْأَدِيمِ غَضَنْفَرًا سُلَالَةَ فَرْجٍ كَانَ غَيْرَ حَصِينٍ وَقَوْلُهُ : مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ يَقُولُ : مِنْ نُطْفَةٍ ضَعِيفَةٍ رَقِيقَةٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ وَهُوَ خَلْقُ آدَمَ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ : أَيْ ذَرِّيَّتَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ، وَالسُّلَالَةُ هِيَ : الْمَاءُ الْمَهِينُ الضَّعِيفُ .
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( مِنْ سُلَالَةٍ ) قَالَ : صَفْوُ الْمَاءِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ قَالَ : ضَعِيفٍ نُطْفَةُ الرَّجُلِ ، وَمَهِينٌ : فَعِيلٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : مَهُنَ فُلَانٌ ، وَذَلِكَ إِذَا زَلَّ وَضَعُفَ .