الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ "
) ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُـزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾( 19 ) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾( 20 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَفَهَذَا الْكَافِرُ الْمُكَذِّبُ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ ، الْمُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيِهِ ، كَهَذَا الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ ، وَالْمُصَدِّقِ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، الْمُطِيعِ لَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، كَلَّا لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَقُولُ : لَا يَعْتَدِلُ الْكُفَّارُ بِاللَّهِ ، وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ عِنْدَهُ ، فِيمَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ : ( لَا يَسْتَوُونَ ) فَجَمَعَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ اثْنَيْنِ : مُؤْمِنًا وَفَاسِقًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْمُؤْمِنِ : مُؤْمِنًا وَاحِدًا ، وَبِالْفَاسِقِ : فَاسِقًا وَاحِدًا ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ : جَمِيعُ الْفُسَّاقِ ، وَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ . فَإِذَا كَانَ الِاثْنَانِ غَيْرَ مَصْمُودٍ لَهُمَا ذَهَبَتْ لَهُمَا الْعَرَبُ مَذْهَبَ الْجَمْعِ .
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : ثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ، فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ كَانَ بَيْنَ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ عَلِيٍّ كَلَامٌ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ : أَنَا أَبْسَطُ مِنْكَ لِسَانًا ، وَأَحَدُّ مِنْكَ سِنَانًا ، وَأَرَدُّ مِنْكَ لِلْكَتِيبَةِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : اسْكُتْ ، فَإِنَّكَ فَاسِقٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ( بِهِ تُكَذِّبُونَ ) . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ﴾ قَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا اسْتَوَوْا فِي الدُّنْيَا ، وَلَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ .
وَقَوْلُهُ : أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَمَّا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى : يَعْنِي بَسَاتِينُ الْمَسَاكِنِ الَّتِي يَسْكُنُونَهَا فِي الْآخِرَةِ وَيَأْوُونَ إِلَيْهَا . وَقَوْلُهُ : نُـزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَقُولُ : نُزُلًا بِمَا أَنْزَلَهُمُوهَا جَزَاءً مِنْهُ لَهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا بِطَاعَتِهِ . وَقَوْلُهُ : وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ ، وَفَارَقُوا طَاعَتَهُ فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ يَقُولُ : فَمَسَاكِنُهُمُ الَّتِي يَأْوُونَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا ( تُكَذِّبُونَ ) أَنَّ اللَّهَ أَعَدَّهَا لِأَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا أَشْرَكُوا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ وَالْقَوْمُ مُكَذِّبُونَ كَمَا تَرَوْنَ .