الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ . . . "
) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِقَوْلِهِ : تُرْجِي : تُؤَخِّرُ ، وَبِقَوْلِهِ : تُؤْوِي : تَضُمُّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ) يَقُولُ : تُؤَخِّرُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ قَالَ : تَعْزِلُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ مِنْ أَزْوَاجِكَ مَنْ تَشَاءُ ( وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قَالَ : تَرُدُّهَا إِلَيْكَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ قَالَ : فَجَعَلَهُ اللَّهُ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَدَعَ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ ، وَيَأْتِي مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ قَسْمٍ ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ يَقْسِمُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ قَالَ : لَمَّا أَشْفَقْنَ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ ، قُلْنَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا مِنْ مَالِكَ وَنَفْسِكَ مَا شِئْتَ ، فَكَانَ مِمَّنْ أَرْجَأَ مِنْهُنَّ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وَجُوَيْرِيَّةُ وَصَفِيَّةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَمَيْمُونَةُ ، وَكَانَ مِمَّنْ آوَى إِلَيْهِ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَحَفْصَةُ وَزَيْنَبُ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ فَمَا شَاءَ صَنَعَ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ ، أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ فِي قَوْلِهِ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَكَانَ مِمَّنْ آوَى إِلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَزَيْنَبُ وَأُمُّ سَلَمَةَ ؛ فَكَانَ قَسْمُهُ مِنْ نَفْسِهِ لَهُنَّ سِوَى قَسْمِهِ . وَكَانَ مِمَّنْ أَرْجَى : سَوْدَةُ وَجُوَيْرِيَّةُ وَصَفِيَّةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَمَيْمُونَةُ ؛ فَكَانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ مَا شَاءَ ، وَكَانَ أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُنَّ ، فَقُلْنَ لَهُ : اقْسِمْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ مَا شِئْتَ ، وَدَعْنَا نَكُونُ عَلَى حَالِنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تُطَلِّقُ وَتُخَلِّي سَبِيلَ مَنْ شِئْتَ مِنْ نِسَائِكَ ، وَتُمْسِكُ مَنْ شِئْتَ مِنْهُنَّ فَلَا تُطَلِّقُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ) أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ ( وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) يَعْنِي : نِسَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَعْنِي بِالْإِرْجَاءِ : يَقُولُ : مَنْ شِئْتَ خَلَّيْتَ سَبِيلَهُ مِنْهُنَّ . وَيَعْنِي بِالْإِيوَاءِ : يَقُولُ : مَنْ أَحْبَبْتَ أَمْسَكْتَ مِنْهُنَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : تَتْرُكُ نِكَاحَ مَنْ شِئْتَ ، وَتَنْكِحُ مَنْ شِئْتَ مِنْ نِسَاءِ أُمَّتِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ قَالَ : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَطَبَ امْرَأَةً لَمْ يَكُنْ لِرَجُلٍ أَنْ يَخْطُبَهَا حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا أَوْ يَتْرُكَهَا . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ حِينَ غَارَ بَعْضُهُنَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ مِنَ النَّفَقَةِ زِيَادَةً عَلَى الَّذِي كَانَ يُعْطِيهَا ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الدَّارِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَأَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ مَنِ اخْتَارَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزَيْنَتَهَا ، وَيُمْسِكَ مَنِ اخْتَارَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . فَلَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قِيلَ لَهُنَّ : اقْرَرْنَ الْآنَ عَلَى الرِّضَا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ؛ قَسَمَ لَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَمْ يَقْسِمْ ، أَوْ قَسَمَ لِبَعْضِكُنَّ وَلَمْ يَقْسِمْ لِبَعْضِكُنَّ ، وَفَضَّلَ بَعْضَكُنَّ عَلَى بَعْضٍ فِي النَّفَقَةِ أَوْ لَمْ يُفَضِّلْ ، سَوَّى بَيْنَكُنَّ أَوْ لَمْ يُسَوِّ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَيْسَ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا ذُكِرَ مَعَ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ ، إِلَّا امْرَأَةً مِنْهُنَّ أَرَادَ طَلَاقَهَا فَرَضِيَتْ بِتَرْكِ الْقَسْمِ لَهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطَلِّقَ أَزْوَاجَهُ ، قُلْنَ لَهُ : افْرِضْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ وَمَالِكَ مَا شِئْتَ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ فَآوَى أَرْبَعًا ، وَأَرْجَى خَمْسًا . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ فَقُلْتُ : إِنَّ رَبَّكَ لَيُسَارِعُ فِي هَوَاكَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ؛ يَعْنِي الْعَبْدِيَّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّرُ النِّسَاءَ اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ : أَمَا تَسْتَحِي امْرَأَةٌ أَنْ تَعْرِضَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، فَنَزَلَتْ ، أَوْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَقُلْتُ : إِنِّي لِأَرَى رَبَّكَ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ الْآيَةَ . قَالَ : كَانَ أَزْوَاجُهُ قَدْ تَغَايَرْنَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَجَرَهُنَّ شَهْرًا ، ثُمَّ نَزَلَ التَّخْيِيرُ مِنَ اللَّهِ لَهُ فِيهِنَّ ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى فَخَيَّرَهُنَّ بَيْنَ أَنْ يَخْتَرْنَ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُنَّ وَيُسَرِّحَهُنَّ ، وَبَيْنَ أَنْ يُقِمْنَ إِنْ أَرَدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَى أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا يَنْكِحْنَ أَبَدًا ، وَعَلَى أَنَّهُ يُؤْوِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَيْهَا ، وَيُرْجِي مَنْ يَشَاءُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَيْهَا ، وَمَنِ ابْتَغَى مِمَّنْ هِيَ عِنْدَهُ وَعَزَلَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ إِذَا عَلِمْنَ أَنَّهُ مِنْ قَضَائِي عَلَيْهِنَّ إِيثَارُ بِعَضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ ) يَرْضَيْنَ ، قَالَ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ مَنِ ابْتَغَى أَصَابَهُ ، وَمَنْ عَزَلَ لَمْ يُصِبْهُ ، فَخَيَّرَهُنَّ بَيْنَ أَنْ يَرْضَيْنَ بِهَذَا ، أَوْ يُفَارِقَهُنَّ ، فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً بَدَوِيَّةً ذَهَبَتْ ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ لَهُ هَذَا الشَّرْطَ ، مَا زَالَ يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - جَعَلَ لِنَبِيِّهِ أَنْ يُرْجِيَ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي أَحَلَّهُنَّ لَهُ مَنْ يَشَاءُ ، وَيُؤْوِي إِلَيْهِ مِنْهُنَّ مَنْ يَشَاءُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُرْ مَعْنَى الْإِرْجَاءِ وَالْإِيوَاءِ عَلَى الْمَنْكُوحَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ فِي حِبَالِهِ عِنْدَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دُونَ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ يُسْتَحْدَثُ إِيوَاؤُهَا أَوْ إِرْجَاؤُهَا مِنْهُنَّ . إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ : تُؤَخِّرُ مَنْ تَشَاءُ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ ، وَأَحْلَلْتُ لَكَ نِكَاحَهَا ، فَلَا تَقْبَلْهَا وَلَا تَنْكِحْهَا ، أَوْ مِمَّنْ هُنَّ فِي حِبَالِكَ ؛ فَلَا تُقَرِّبُهَا . وَتَضُمُّ إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ أَوْ أَرَدْتَ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي أَحْلَلْتُ لَكَ نِكَاحَهُنَّ ؛ فَتَقْبَلُهَا أَوْ تَنْكِحُهَا ، وَمِمَّنْ هِيَ فِي حِبَالِكَ ؛ فَتُجَامِعُهَا إِذَا شِئْتَ وَتَتْرُكُهَا إِذَا شِئْتَ بِغَيْرِ قَسْمٍ .
وَقَوْلُهُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ وَمَنْ نَكَحْتَ مِنْ نِسَائِكَ فَجَامَعْتَ مِمَّنْ لَمْ تَنْكِحْ ، فَعَزَلْتَهُ عَنِ الْجِمَاعِ ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ قَالَ : جَمِيعًا هَذِهِ فِي نِسَائِهِ ؛ إِنْ شَاءَ أَتَى مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ ، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ) قَالَ : وَمَنِ ابْتَغَى أَصَابَهُ ، وَمَنْ عَزَلَ لَمْ يُصِبْهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنِ اسْتَبْدَلْتَ مِمَّنْ أَرْجَيْتَ ، فَخَلَّيْتَ سَبِيلَهُ مِنْ نِسَائِكَ ، أَوْ مِمَّنْ مَاتَ مِنْهُنَّ مِمَّنْ أَحْلَلْتُ لَكَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ يَعْنِي بِذَلِكَ : النِّسَاءَ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ بَنَاتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ ( اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) يَقُولُ : إِنْ مَاتَ مِنْ نِسَائِكَ اللَّاتِي عِنْدَكَ أَحَدٌ ، أَوْ خَلَّيْتَ سَبِيلَهُ ، فَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ أَنْ تَسْتَبْدِلَ مِنَ اللَّاتِي أَحْلَلْتُ لَكَ مَكَانَ مَنْ مَاتَ مِنْ نِسَائِكَ اللَّاتِي هُنَّ عِنْدَكَ ، أَوْ خَلَّيْتَ سَبِيلَهُ مِنْهُنَّ ، وَلَا يَصْلُحُ لَكَ أَنْ تَزْدَادَ عَلَى عِدَّةِ نِسَائِكَ اللَّاتِي عِنْدَكَ شَيْئًا . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ : تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنِ ابْتَغَيْتَ إِصَابَتَهُ مِنْ نِسَائِكَ ( مِمَّنْ عَزَلْتَ ) عَنْ ذَلِكَ مِنْهُنَّ ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ) لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ) عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِأَنَّ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ إِذَا هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَبْدَلَ بِالْمَيِّتَةِ أَوِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْهُنَّ ، إِلَّا أَنْ يَعْنِيَ بِذَلِكَ : ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُ الْمَنْكُوحَةِ مِنْهُنَّ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ بَعِيدٌ .
وَقَوْلُهُ ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ ) يَقُولُ : هَذَا الَّذِي جَعَلْتُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ إِذْنِي لَكَ أَنْ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي جَعَلْتُ لَكَ إِرْجَاءَهُنَّ ، وَتُؤْوِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ، وَوَضْعِي عَنْكَ الْحَرَجَ فِي ابْتِغَائِكَ إِصَابَةَ مَنِ ابْتَغَيْتَ إِصَابَتَهُ مِنْ نِسَائِكَ ، وَعَزْلِكَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ عَزَلْتَ مِنْهُنَّ ، أَقْرَبُ لِنِسَائِكَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ بِهِ وَلَا يَحْزَنَّ ، وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ مِنْ تَفْضِيلِ مَنْ فَضَّلْتَ مِنْ قَسْمٍ ، أَوْ نَفَقَةٍ وَإِيثَارِ مَنْ آثَرْتَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ نِسَائِكَ ، إِذَا هُنَّ عَلِمْنَ أَنَّهُ مِنْ رِضَايَ مِنْكَ بِذَلِكَ ، وَإِذْنِي لَكَ بِهِ ، وَإِطْلَاقٌ مِنِّي لَا مِنْ قِبَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ إِذَا عَلِمْنَ أَنَّ هَذَا جَاءَ مِنَ اللَّهِ لِرُخْصَةٍ ، كَانَ أَطْيَبَ لِأَنْفُسِهِنَّ ، وَأَقَلَّ لِحُزْنِهِنَّ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ ، نَحْوَهُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ ( بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ) الرَّفْعُ غَيْرُ جَائِزٍ غَيْرُهُ عِنْدَنَا ، وَذَلِكَ أَنْ كُلَّهُنَّ لَيْسَ بِنَعْتٍ لِلْهَاءِ فِي قَوْلِهِ ( آتَيْتَهُنَّ ) ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : وَيَرْضَيْنَ كُلُّهُنَّ ، فَإِنَّمَا هُوَ تَوْكِيدٌ لِمَا فِي يَرْضَيْنَ مِنْ ذِكْرِ النِّسَاءِ ، وَإِذَا جُعِلَ تَوْكِيدًا لِلْهَاءِ الَّتِي فِي آتَيْتَهُنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى ، وَالْقِرَاءَةُ بِنَصْبِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ لِذَلِكَ ، وَلِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَخْطِئَةِ قَارِئِهِ كَذَلِكَ . وَقَوْلُهُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ يَقُولُ : وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ مَيْلِهَا إِلَى بَعْضِ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ بِالْهَوَى وَالْمَحَبَّةِ ، يَقُولُ : فَلِذَلِكَ وَضَعَ عَنْكَ الْحَرَجَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَا وَضَعَ عَنْكَ مِنَ ابْتِغَاءِ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِنْهُنَّ ، مِمَّنْ عَزَلْتَ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ وَتَكْرِمَةً ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ) يَقُولُ : وَكَانَ اللَّهُ ذَا عِلْمٍ بِأَعْمَالِ عِبَادِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ( حَلِيمًا ) يَقُولُ : ذَا حِلْمٍ عَلَى عِبَادِهِ ، أَنْ يُعَاجِلَ أَهْلَ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ بِالْعُقُوبَةِ ، وَلَكِنَّهُ ذُو حِلْمٍ وَأَنَاةٍ عَنْهُمْ لِيَتُوبَ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ ، وَيُنِيبَ مِنْ ذُنُوبِهِ مَنْ أَنَابَ مِنْهُمْ .