الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَا حَرَجَ عَلَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آبَائِهِنَّ وَلَا إِثْمَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ عَنْهُنَّ الْجُنَاحُ فِي هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وُضِعَ عَنْهُنَّ الْجُنَاحُ فِي وَضْعِ جَلَابِيبِهِنَّ عِنْدَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ( لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ .
) الْآيَةَ كُلَّهَا قَالَ : أَنْ تَضَعَ الْجِلْبَابَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ( لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ ) وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ أَنْ يَرَوْهُنَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : وَضَعَ عَنْهُنَّ الْجُنَاحَ فِيهِنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِجَابِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ( لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ . ) إِلَى ( شَهِيدًا ) : فَرَخَّصَ لِهَؤُلَاءِ أَنْ لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْهُمْ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : ذَلِكَ وُضِعَ الْجُنَاحُ عَنْهُنَّ فِي هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْهُمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عُقَيْبَ آيَةِ الْحِجَابِ ، وَبَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ ( لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ ) اسْتِثْنَاءً مِنْ جُمْلَةِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِسُؤَالِهِنَّ الْمَتَاعَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ إِذَا سَأَلُوهُنَّ ، ذَلِكَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ : لَا إِثْمَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِذْنِهِنَّ لِآبَائِهِنَّ وَتَرْكِ الْحِجَابِ مِنْهُنَّ ، وَلَا لِأَبْنَائِهِنَّ وَلَا لِإِخْوَانِهِنَّ وَلَا لِأَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ . وَعَنَى بِإِخْوَانِهِنَّ وَأَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ إِخْوَتَهُنَّ وَأَبْنَاءَ إِخْوَتِهِنَّ . وَخَرَجَ مَعَهُمْ جَمْعُ ذَلِكَ مَخْرَجَ جَمْعِ فَتًى إِذَا جُمِعَ فِتْيَانٌ ، فَكَذَلِكَ جَمْعُ أَخٍ إِذَا جُمِعَ إِخْوَانٌ .
وَأَمَّا إِذَا جُمِعَ إِخْوَةٌ ، فَذَلِكَ نَظِيرُ جَمْعِ فَتًى إِذَا جُمِعَ فِتْيَةٌ ، وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ الْعَمَّ عَلَى مَا قَالَ الشَّعْبِيُّ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَصِفَهُنَّ لِأَبْنَائِهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : ثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ قُلْتُ : مَا شَأْنُ الْعَمِّ وَالْخَالِ لَمْ يُذْكَرَا؟ قَالَ : لِأَنَّهُمَا يَنْعَتَانِهَا لِأَبْنَائِهِمَا ، وَكُرْهًا أَنْ تَضَعَ خِمَارَهَا عِنْدَ خَالِهَا وَعَمِّهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : ثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ يَنْعَتَانِهَا .
وَقَوْلُهُ ( وَلَا نِسَائِهِنَّ ) يَقُولُ : وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ أَيْضًا فِي أَنْ لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ . كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ( وَلَا نِسَائِهِنَّ ) قَالَ : نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ الْحَرَائِرُ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَرَيْنَ تِلْكَ الزِّينَةَ قَالَ : وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ فِي الزِّينَةِ قَالَ : وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ . قَالَ : وَلَوْ نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى فَخِذِ الرَّجُلِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا قَالَ : وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكْشِفَ قُرْطَهَا لِلرَّجُلِ قَالَ : وَأَمَّا الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ وَالْخِضَابُ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ : وَالزَّوْجُ لَهُ فَضْلٌ وَالْآبَاءُ مِنْ وَرَاءِ الرَّجُلِ لَهُمْ فَضْلٌ قَالَ : وَالْآخَرُونَ يَتَفَاضَلُونَ قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ يَجْمَعُهُ مَا ظَهَرَ مِنَ الزِّينَةِ قَالَ : وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْتَجِبْنَ مِنَ الْمَمَالِيكِ .
وَقَوْلُهُ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : مِنَ النِّسَاءِ . وَقَوْلُهُ : ( وَاتَّقِينَ اللَّهَ ) يَقُولُ : وَخِفْنَ اللَّهَ أَيُّهَا النِّسَاءُ أَنْ تَتَعَدَّيْنَ مَا حَدَّ اللَّهُ لَكُنَّ ، فَتُبْدِينَ مِنْ زِينَتِكُنَّ مَا لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تُبْدِينَهُ ، أَوْ تَتْرُكْنَ الْحِجَابَ الَّذِي أَمَرَكُنَّ اللَّهُ بِلُزُومِهِ ، إِلَّا فِيمَا أَبَاحَ لَكُنَّ تَرْكَهُ ، وَالْزَمْنَ طَاعَتَهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ عَلَى مَا تَفْعَلْنَهُ مِنَ احْتِجَابِكُنَّ ، وَتَرْكِكُنَّ الْحِجَابَ لِمَنْ أَبَحْتُ لَكُنَّ تَرْكَ ذَلِكَ لَهُ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُنَّ ، يَقُولُ : فَاتَّقِينَ اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُنَّ لَا تَلْقَيْنَ اللَّهَ ، وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَيْكُمْ ، بِمَعْصِيَتِهِ ، وَخِلَافِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، فَتَهْلَكْنَ ، فَإِنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .