الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . . . "
) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾( 58 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَبَّهُمْ بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ ، وَرُكُوبِهِمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَصْحَابَ التَّصَاوِيرِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَرُومُونَ تَكْوِينَ خَلْقٍ مِثْلَ خَلْقِ اللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هُمْ أَصْحَابُ التَّصَاوِيرِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ قَالَ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا زَالَ أُنَاسٌ مِنْ جَهَلَةِ بَنِي آدَمَ حَتَّى تَعَاطَوْا أَذَى رَبِّهِمْ ، وَأَمَّا أَذَاهُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ طَعْنُهُمْ عَلَيْهِ فِي نِكَاحِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ فِيمَا ذُكِرَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ اتَّخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ . وَقَوْلُهُ ( لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَبْعَدَهُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابًا يُهِينُهُمْ فِيهِ بِالْخُلُودِ فِيهِ . وَقَوْلُهُ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ مُجَاهِدٌ يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ ( يُؤْذُونَ ) إِلَى يَقْفُونَ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ ) قَالَ : يَقْفُونَ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَا قَالَ مُجَاهِدٌ : وَالَّذِينَ يَقْفُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ . وَيَعِيبُونَهُمْ طَلَبًا لِشَيْنِهِمْ ( بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ) يَقُولُ : بِغَيْرِ مَا عَمِلُوا .
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ( بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ) قَالَ : عَمِلُوا . حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : ثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ قَالَ : فَكَيْفَ إِذَا أُوذِيَ بِالْمَعْرُوفِ ، فَذَلِكَ يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا قَالَ : كَيْفَ بِالَّذِي يَأْتِي إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ فَإِيَّاكُمْ وَأَذَى الْمُؤْمِنِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَحُوطُهُ ، وَيَغْضَبُ لَهُ . وَقَوْلُهُ فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا يَقُولُ : فَقَدِ احْتَمَلُوا زُورًا وَكَذِبًا وَفِرْيَةً شَنِيعَةً ، وَبُهْتَانٌ : أَفْحَشُ الْكَذِبِ ، ( وَإِثْمًا مُبِينًا ) يَقُولُ : وَإِثْمًا يُبِينُ لِسَامِعِهِ أَنَّهُ إِثْمٌ وَزُورٌ .