الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ . . . "
) اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ ، وَالْكُوفَةِ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ بِالْأَلِفِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْبَصْرَةِ ( بَعِّدْ ) بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ عَلَى الدُّعَاءِ أَيْضًا . وَذُكِرَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ، وَحُكِيَ عَنْ آخَرَ أَنَّهُ قَرَأَهُ ( رَبَّنَا بَعَّدَ ) عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّ الرَّبَّ مُنَادَى .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ( رَبَّنَا بَاعِدْ ) وَ ( بَعِّدْ ) لِأَنَّهُمَا الْقِرَاءَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، وَمَا عَدَاهُمَا فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ فِيهِمْ ، عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَيْضًا يُحَقِّقُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَزِيدُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى بُعْدًا مِنَ الصَّوَابِ . فَإِذَا كَانَ هُوَ الصَّوَابَ مِنَ الْقِرَاءَةِ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : فَقَالُوا : يَا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ; فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّأْمِ فَلَوَاتٍ وَمَفَاوِزَ ، لِنَرْكَبَ فِيهَا الرَّوَاحِلَ ، وَنَتَزَوَّدَ مَعَنَا فِيهَا الْأَزْوَادَ ، وَهَذَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى بَطَرِ الْقَوْمِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ ، وَجَهْلِهِمْ بِمِقْدَارِ الْعَافِيَةِ ، وَلَقَدْ عَجَّلَ لَهُمْ رَبُّهُمُ الْإِجَابَةَ ، كَمَا عَجَّلَ لِلْقَائِلِينَ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أَعْطَاهُمْ مَا رَغِبُوا إِلَيْهِ فِيهِ وَطَلَبُوا مِنَ الْمَسْأَلَةِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ قَالَ : ثَنَا عَبْثَرٌ قَالَ : ثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) قَالَ : كَانَتْ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَةً بِالْيَمَنِ ، كَانَ بَعْضُهَا يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ ، فَبَطَرُوا ذَلِكَ ، وَقَالُوا : رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا قَالَ : فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ، وَجَعَلَ طَعَامَهُمْ أَثْلًا وَخَمْطًا وَشَيْئًا مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ قَالَ : فَإِنَّهُمْ بَطَرُوا عَيْشَهُمْ ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ جَنَى جَنَّاتِنَا أَبْعَدَ مِمَّا هِيَ كَانَ أَجْدَرَ أَنْ نَشْتَهِيَهُ ، فَمُزِّقُوا بَيْنَ الشَّأْمِ ، وَسَبَإٍ ، وَبُدِّلُوا بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ، وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا بَطِرَ الْقَوْمُ نِعْمَةَ اللَّهِ وَغَمَطُوا كَرَامَةَ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا حَتَّى نَبِيتَ فِي الْفَلَوَاتِ وَالصَّحَارِي ( فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) . وَقَوْلُهُ ( فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) وَكَانَ ظُلْمُهُمُ إِيَّاهَا عَمَلَهُمْ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَاصِيهِ مِمَّا يُوجِبُ لَهُمْ عِقَابَ اللَّهِ ( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ) يَقُولُ : صَيَّرْنَاهُمْ أَحَادِيثَ لِلنَّاسِ يَضْرِبُونَ بِهِمُ الْمَثَلَ فِي السَّبِّ ، فَيُقَالُ : تَفَرَّقَ الْقَوْمُ أَيَادِي سَبَا ، وَأَيْدِي سَبَا إِذَا تَفَرَّقُوا وَتَقَطَّعُوا . وَقَوْلُهُ ( وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) يَقُولُ : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْبِلَادِ كُلَّ مُقَطَّعٍ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ قَالَ قَتَادَةُ : قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ : أَمَّا غَسَّانُ فَقَدْ لَحِقُوا بِالشَّأْمِ ، وَأَمَّا الْأَنْصَارُ فَلَحِقُوا بِيَثْرِبَ ، وَأَمَّا خُزَاعَةُ فَلَحِقُوا بِتِهَامَةَ ، وَأَمَّا الْأَزْدُ فَلَحِقُوا بِعُمَانَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : يَزْعُمُونَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ عَامِرٍ وَهُوَ عَمُّ الْقَوْمِ كَانَ كَاهِنًا ، فَرَأَى فِي كِهَانَتِهِ أَنَّ قَوْمَهُ سَيُمَزَّقُونَ وَيَتَبَاعَدُونَ فَقَالَ لَهُمْ : إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَتُمَزَّقُونَ ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا هَمٍّ بِعِيدٍ ، وَجَمَلٍ شَدِيدٍ ، وَمَزَادٍ جَدِيدٍ فَلْيَلْحَقْ بِكَأْسٍ أَوْ كَرُودَ قَالَ : فَكَانَتْ وَادِعَةُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا هَمٍّ مُدْنٍ وَأَمْرَدَ عَنَّ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِ شَنَّ فَكَانَتْ عَوْفُ بْنُ عَمْرٍو ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ بَارِقٌ ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ عَيْشًا آيِنًا وَحَرَمًا آمِنًا فَلْيَلْحَقْ بِالْأَرْزِينِ فَكَانَتْ خُزَاعَةُ ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الرَّاسِيَاتِ فِي الْوَحْلِ الْمُطْعِمَاتِ فِي الْمَحْلِ فَلْيَلْحَقْ بِيَثْرِبَ ذَاتِ النَّخْلِ ، فَكَانَتِ الْأَوْسُ ، وَالْخَزْرَجُ فَهُمَا هَذَانَ الْحَيَّانِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ خَمْرًا وَخَمِيرًا ، وَذَهَبًا وَحَرِيرًا ، وَمُلْكًا وَتَأْمِيرًا فَلْيَلْحَقْ بِكُوسَى وَبُصْرَى فَكَانَتْ غَسَّانُ بَنُو جَفْنَةَ مُلُوكُ الشَّأْمِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْعِرَاقِ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : إِنَّمَا قَالَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ طَرِيفَةُ امْرَأَةُ عِمْرَانَ بْنِ عَامِرٍ ، وَكَانَتْ كَاهِنَةً ، فَرَأَتْ فِي كِهَانَتِهَا ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ قَالَ : فَلَمَّا تَفَرَّقُوا ، نَزَلُوا عَلَى كِهَانَةِ عِمْرَانَ بْنِ عَامِرٍ . وَقَوْلُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ فِي تَمْزِيقِنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ لَآيَاتٍ ، يَقُولُ : لَعِظَةٌ وَعِبْرَةٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ مِنَ الشُّكْرِ عَلَى نِعَمِهِ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَحَقِّهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى مِحْنَتِهِ إِذَا امْتَحَنَهُ بِبَلَاءٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ عَلَى نِعَمِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ كَانَ مُطَرِّفٌ يَقُولُ : نِعْمَ الْعَبْدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ الَّذِي إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ .