الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ "
) اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿تَنْـزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ ( تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ ) بِرَفْعِ تَنْزِيلِ ، وَالرَّفْعُ فِي ذَلِكَ يَتَّجِهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا بِأَنْ يُجْعَلَ خَبَرًا ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّهُ ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾. وَالْآخَرُ : بِالِابْتِدَاءِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾، هَذَا ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾. وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ ) تَنْزِيلَ ) نَصْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ التَّنْزِيلِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : لَمُنَزَّلٌ ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾حَقًّا .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾يَا مُحَمَّدُ إِرْسَالَ الرَّبِّ الْعَزِيزِ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، الرَّحِيمِ بِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ ، وَأَنَابَ مِنْ كُفْرِهِ وَفُسُوقِهِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى سَالِفِ جُرْمِهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ لَهُ .