الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ "
) ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾( 14 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَثِّلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ، ذُكِرَ أَنَّهَا أَنْطَاكِيَةُ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ ، وَفِيمَنْ كَانَ أَرْسَلَهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانُوا رُسُلَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَعِيسَى الَّذِي أَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بَعَثَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ - مَدِينَةٌ بِالرُّومِ - فَكَذَّبُوهُمَا فَأَعَزَّهُمَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَا ثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : ثَنِي السُّدِّيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ قَالَ : أَنْطَاكِيَةُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانُوا رُسُلًا أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَغَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : كَانَ بِمَدِينَةِ أَنْطَاكِيَةَ ، فِرْعَوْنُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ يُقَالُ لَهُ أَبْطِيحَسُ بْنُ أَبْطِيحَسُ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ صَاحِبُ شِرْكٍ ، فَبَعَثَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ : صَادِقٌ ، وَمَصْدُوقٌ ، وَسَلُومٌ ، فَقَدِمَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِ مَدِينَتِهِ مِنْهُمُ اثْنَانِ فَكَذَّبُوهُمَا ، ثُمَّ عَزَّزَ اللَّهُ بِثَالِثٍ ، فَلَمَّا دَعَتْهُ الرُّسُلُ وَنَادَتْهُ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَصَدَعَتْ بِالَّذِي أُمِرَتْ بِهِ ، وَعَابَتْ دِينَهُ ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ ، قَالَ لَهُمْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ وَقَوْلُهُ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : حِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ يَدْعُوَانِهِمْ إِلَى اللَّهِ فَكَذَّبُوهُمَا فَشَدَدْنَاهُمَا بِثَالِثٍ ، وَقَوَّيْنَاهُمَا بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلَهُ ( فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ) قَالَ : شَدَدْنَا . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ( فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ) قَالَ : زِدْنَا . حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ( فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ) قَالَ : جَعَلْنَاهُمْ ثَلَاثَةً قَالَ : ذَلِكَ التَّعَزُّزُ قَالَ : وَالتَّعَزُّزُ : الْقُوَّةُ .
وَقَوْلُهُ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ يَقُولُ : فَقَالَ الْمُرْسَلُونَ الثَّلَاثَةُ لِأَصْحَابِ الْقَرْيَةِ : إِنَّا إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مُرْسَلُونَ ، بِأَنْ تُخْلِصُوا الْعِبَادَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَتَتَبَرَّءُوا مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ . وَبِالتَّشْدِيدِ فِي قَوْلِهِ ( فَعَزَّزْنَا ) قَرَأَتِ الْقُرَّاءُ سِوَى عَاصِمٍ ، فَإِنَّهُ قَرَأَهُ بِالتَّخْفِيفِ ، وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا بِالتَّشْدِيدِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ ، إِذَا شُدِّدَ : فَقَوَّيْنَا ، وَإِذَا خُفِّفَ : فَغَلَبْنَا ، وَلَيْسَ لَغَلَبْنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَثِيرُ مَعْنَى .