الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ "
) ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾( 60 ) ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾( 61 ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ ( وَامْتَازُوا ) : تَمَيَّزُوا ; وَهِيَ افْتَعِلُوا ، مِنْ مَازَ يَمِيزُ ، فَعَلَ يَفْعِلُ مِنْهُ : امْتَازَ يَمْتَازُ امْتِيَازًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ قَالَ : عُزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلِمٌ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ . الْآيَةَ ، إِلَى قَوْلِهِ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ فَيَتَمَيَّزُ النَّاسُ وَيَجْثُونَ ، وَهِيَ قَوْلُ اللَّهِ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ . الْآيَةَ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ : وَتَمَيَّزُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ ، فَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ غَيْرَ مَوْرِدِهِمْ ، دَاخِلُونَ غَيْرَ مَدْخَلِهِمْ . وَقَوْلُهُ ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَهُوَ : ثُمَّ يُقَالُ : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ ، يَقُولُ : أَلَمْ أُوصِكُمْ وَآمُرْكُمْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ فَتُطِيعُوهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يَقُولُ : وَأَقُولُ لَكُمْ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، قَدْ أَبَانَ لَكُمْ عَدَاوَتَهُ بِامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِأَبِيكُمْ آدَمَ ، حَسَدًا مِنْهُ لَهُ ، عَلَى مَا كَانَ اللَّهُ أَعْطَاهُ مِنَ الْكَرَامَةِ ، وَغُرُورِهِ إِيَّاهُ ، حَتَّى أَخْرَجَهُ وَزَوْجَتَهُ مِنَ الْجَنَّةِ . وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ يَقُولُ : وَأَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ أَنِ اعْبُدُونِي دُونَ كُلِّ مَا سِوَايَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ، وَإِيَّايَ فَأَطِيعُوا ، فَإِنَّ إِخْلَاصَ عِبَادَتِي ، وَإِفْرَادَ طَاعَتِي ، وَمَعْصِيَةَ الشَّيْطَانِ ، هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ ، وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ .