الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ "
) يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ : الْيَوْمَ نَطْبَعُ عَلَى أَفْوَاهِ الْمُشْرِكِينَ ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِي يَنْطِقُ مِنْ أَرْجُلِهِمْ : أَفْخَاذُهُمْ مِنَ الرِّجْلِ الْيُسْرَى بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآثَامِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ : قَالَ أَبُو بُرْدَةَ : قَالَ أَبُو مُوسَى : يُدْعَى الْمُؤْمِنُ لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَبُّهُ عَمَلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَيَعْتَرِفُ فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ عَمِلْتُ عَمِلْتُ عَمِلْتُ قَالَ : فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ ، وَيَسْتُرُهُ مِنْهَا ، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ خَلِيقَةٌ تَرَى مِنْ تِلْكَ الذُّنُوبِ شَيْئًا ، وَتَبْدُو حَسَنَاتُهُ ، فَوَدَّ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَرَوْنَهَا ; وَيُدْعَى الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ لِلْحِسَابِ ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَبُّهُ عَمَلَهُ فَيَجْحَدُهُ ، وَيَقُولُ أَيْ رَبِّ ، وَعَزَّتِكَ لَقَدْ كَتَبَ عَلَيَّ هَذَا الْمَلَكُ مَا لَمْ أَعْمَلْ ، فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ : أَمَا عَمِلْتَ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا فِي مَكَانِ كَذَا؟ فَيَقُولُ : لَا وَعِزَّتِكَ أَيْ رَبِّ ، مَا عَمِلْتُهُ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خُتِمَ عَلَى فِيهِ .
قَالَ الْأَشْعَرِيُّ : فَإِنِّي أَحْسَبُ أَوَّلَ مَا يَنْطِقُ مِنْهُ لَفَخِذَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ تَلَا ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنِي يَحْيَى ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا ، فَيَقُولُ : مَا عَمِلْتُ ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ ، وَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ ، فَيَقُولُ لِجَوَارِحِهِ : أَبْعَدَكُنَّ اللَّهُ ، مَا خَاصَمْتُ إِلَّا فِيكُنَّ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ .
الْآيَةَ قَالَ : قَدْ كَانَتْ خُصُومَاتٌ وَكَلَامٌ ، فَكَانَ هَذَا آخِرَهُ ، نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ قَالَ : ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : أَوَّلُ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ مِنَ الْإِنْسَانِ يَوْمَ يَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى الْأَفْوَاهِ فَخِذُهُ مِنْ رِجْلِهِ الْيُسْرَى .