الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ "
) ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾( 5 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَعَجِبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ يُنْذِرُهُمْ بَأْسَ اللَّهِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَمْ يَأْتِهِمْ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِذَلِكَ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ يَقُولُ : وَقَالَ الْمُنْكِرُونَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ : هَذَا ، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاحِرٌ كَذَّابٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ ( سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَوْلُهُ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا يَقُولُ : وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ الَّذِينَ قَالُوا : مُحَمَّدٌ سَاحِرٌ كَذَّابٌ : أَجَعَلَ مُحَمَّدٌ الْمَعْبُودَاتِ كُلَّهَا وَاحِدًا ، يَسْمَعُ دُعَاءَنَا جَمِيعَنَا ، وَيَعْلَمُ عِبَادَةَ كُلِّ عَابِدٍ عَبَدَهُ مِنَّا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ : أَيْ إِنَّ هَذَا لِشَيْءٌ عَجِيبٌ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ قَالَ : عَجِبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ ، وَقَالُوا : يَسْمَعُ لِحَاجَاتِنَا جَمِيعًا إِلَهٌ وَاحِدٌ! مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ . وَكَانَ سَبَبُ قِيلِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ ، مِنْ ذَلِكَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ : أَسْأَلُكُمْ أَنْ تُجِيبُونِي إِلَى وَاحِدَةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَتُعْطِيكُمْ بِهَا الْخَرَاجَ الْعَجَمُ فَقَالُوا : وَمَا هِيَ ؟ فَقَالَ : تَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا تَعَجُّبًا مِنْهُمْ مَنْ ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : ثَنَا عَبَّادٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فَقَالُوا : إِنِ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا ، وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ ، وَيَقُولُ وَيَقُولُ ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ الْبَيْتَ ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرَ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ : فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ ، فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : أَيِ ابْنَ أَخِي ، مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ ؟ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ ، وَتَقُولُ وَتَقُولُ قَالَ : فَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ ، وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا ، تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ ، فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ ؟ نَعَمْ وَأَبِيكَ ، عَشْرًا ، فَقَالُوا : وَمَا هِيَ ؟ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي ؟ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ : فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ قَالَ : وَنَزَلَتْ ، مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ اللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ ، وَهُمْ حَوْلَهُ جُلُوسٌ ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ مَكَانٌ فَارِغٌ ، فَقَامَ أَبُو جَهْلٍ فَجَلَسَ فِيهِ ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : يَا ابْنَ أَخِي مَا لِقَوْمِكَ يَشْكُونَكَ ؟ قَالَ : يَا عَمِّ أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ قَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَامُوا وَهُمْ يَقُولُونَ : ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ ﴾ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ ذِي الشَّرَفِ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ حَتَّى قَوْلِهِ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا . حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : ذِي الشَّرَفِ ، وَقَالَ : إِلَى قَوْلِهِ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ قَالَ : فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ ، فَكَانَ عِنْدَ رَأْسِهِ مَقْعَدُ رَجُلٍ ، فَقَامَ أَبُو جَهْلٍ فَجَلَسَ فِيهِ ، فَشَكَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَقَالُوا : إِنَّهُ يَقَعُ فِي آلِهَتِنَا ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي مَا تُرِيدُ إِلَى هَذَا ؟ قَالَ : يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمُ الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَالُوا : ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .