الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَلَمْ تَرَ ) يَا مُحَمَّدُ أَنَّ اللَّهَ أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً وَهُوَ الْمَطَرُ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ يَقُولُ : فَأَجْرَاهُ عُيُونًا فِي الْأَرْضِ ، وَاحِدُهَا يَنْبُوعٌ ، وَهُوَ مَا جَاشَ مِنَ الْأَرْضِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ قَالَ : كُلُّ نَدَى وَمَاءٍ فِي الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ نَزَلَ .
قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ بَيَانٍ قَالَ : ثُمَّ أَنْبَتَ بِذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي أَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَجَعَلَهُ فِي الْأَرْضِ عُيُونًا - زَرْعًا ( مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) يَعْنِي : أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً مِنْ بَيْنِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَسِمْسِمٍ وَأُرْزٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْمُخْتَلِفَةِ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا يَقُولُ : ثُمَّ يَيْبَسُ ذَلِكَ الزَّرْعُ مِنْ بَعْدِ خُضْرَتِهِ ، يُقَالُ لِلْأَرْضِ إِذَا يَبِسَ مَا فِيهَا مِنَ الْخُضَرِ وَذَوَى : هَاجَتِ الْأَرْضُ ، وَهَاجَ الزَّرْعُ . وَقَوْلُهُ : ( فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يَقُولُ : فَتَرَاهُ مِنْ بَعْدِ خُضْرَتِهِ وَرُطُوبَتِهِ قَدْ يَبِسَ فَصَارَ أَصْفَرَ ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ إِذَا يَبِسَ اصْفَرَّ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا وَالْحُطَامُ : فُتَاتُ التِّبْنِ وَالْحَشِيشِ ، يَقُولُ : ثُمَّ يُجْعَلُ ذَلِكَ الزَّرْعُ بَعْدَ مَا صَارَ يَابِسًا فُتَاتًا مُتَكَسِّرًا . وَقَوْلُهُ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ فِي فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ كَالَّذِي وَصَفَ لَذِكْرَى وَمَوْعِظَةً لِأَهْلِ الْعُقُولِ وَالْحِجَا يَتَذَكَّرُونَ بِهِ ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ مِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِحْدَاثُ مَا شَاءَ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَإِنْشَاءُ مَا أَرَادَ مِنَ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ ، وَإِحْيَاءُ مَنْ هَلَكَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِهِ وَإِعَادَتِهِ مِنْ بَعْدِ فَنَائِهِ ، كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ فَنَائِهِ ، كَالَّذِي فَعَلَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَنْزَلَ عَلَيْهَا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا الْمَاءَ ، فَأَنْبَتَ بِهَا الزَّرْعَ الْمُخْتَلِفَ الْأَلْوَانِ بِقُدْرَتِهِ .