الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . . . "
) ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾( 25 ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ اتِّقَاءِ هَذَا الضَّالِّ بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ مَكْبُوبًا عَلَى وَجْهِهِ ، فَذَلِكَ اتِّقَاؤُهُ إِيَّاهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ قَالَ : يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ ، يَقُولُ : هُوَ مِثْلُ أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ أَنْ يَنْطَلِقَ بِهِ إِلَى النَّارِ مَكْتُوفًا ، ثُمَّ يُرْمَى بِهِ فِيهَا .
فَأَوَّلُ مَا تَمَسُّ النَّارُ - وَجْهُهُ ، وَهَذَا قَوْلٌ يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ لِضِعْفِ سَنَدِهِ ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا تُرِكَ جَوَابُهُ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ عَنْهُ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَيْرٌ ، أَمْ مَنْ يَنْعَمُ فِي الْجِنَانِ ؟ وَقَوْلُهُ : وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ يَقُولُ : وَيُقَالُ يَوْمَئِذٍ لِلظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِإِكْسَابِهِمْ إِيَّاهَا سُخْطَ اللَّهِ : ذُوقُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْقَوْمُ وَبَالَ مَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَكْسِبُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ مَضَوْا فِي الدُّهُورِ الْخَالِيَةِ رُسُلَهُمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ يَقُولُ : فَجَاءَهُمْ عَذَابُ اللَّهِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَشْعُرُونَ : أَيْ لَا يَعْلَمُونَ بِمَجِيئِهِ مِنْهُ .