الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ . . . "
) ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴾( 37 ) اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ عَلَى الْجِمَاعِ ، بِمَعْنَى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ مُحَمَّدًا وَأَنْبِيَاءَهُ مِنْ قَبْلِهِ - مَا خَوَّفَتْهُمْ أُمَمُهُمْ مِنْ أَنْ تَنَالَهُمْ آلِهَتُهُمْ بِسُوءٍ ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ ، وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : ( بِكَافٍ عَبْدَهُ ) عَلَى التَّوْحِيدِ ، بِمَعْنَى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ مُحَمَّدًا . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ . فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ لِصِحَّةِ مَعْنَيَيْهِمَا وَاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِهِمَا فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ يَقُولُ : مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ قَالَ : بَلَى ، وَاللَّهِ لَيَكْفِيَنَّهُ اللَّهُ وَيُعِزُّهُ وَيَنْصُرُهُ كَمَا وَعَدَهُ .
وَقَوْلُهُ : وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَيُخَوِّفُكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ بِالَّذِينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ أَنْ تُصِيبَكَ بِسُوءٍ ، بِبَرَاءَتِكَ مِنْهَا ، وَعَيْبِكَ لَهَا ، وَاللَّهُ كَافِيكَ ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ : الْآلِهَةُ .
قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى شِعْبٍ بِسَقَامٍ لِيَكْسِرَ الْعُزَّى ، فَقَالَ سَادِنُهَا ، وَهُوَ قَيِّمُهَا : يَا خَالِدُ أَنَا أُحَذِّرُكَهَا ، إِنَّ لَهَا شِدَّةً لَا يَقُومُ إِلَيْهَا شَيْءٌ ، فَمَشَى إِلَيْهَا خَالِدٌ بِالْفَأْسِ فَهَشَّمَ أَنْفَهَا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يَقُولُ : بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ قَالَ : يُخَوِّفُونَكَ بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي مِنْ دُونِهِ .
وَقَوْلُهُ : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ يَخْذُلْهُ اللَّهُ فَيُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَسَبِيلِ الرُّشْدِ ، فَمَا لَهُ سِوَاهُ مِنْ مُرْشِدٍ وَمُسَدِّدٍ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ ، وَمُوَفِّقٍ لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ يَقُولُ : وَمَنْ يُوَفِّقْهُ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ بِهِ ، وَالْعَمَلِ بِكِتَابِهِ ، فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ، يَقُولُ : فَمَا لَهُ مِنْ مُزِيغٍ يُزِيغُهُ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ إِلَى الِارْتِدَادِ إِلَى الْكُفْرِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَلَيْسَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِعَزِيزٍ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ كَفَرَةِ خَلْقِهِ ، ذِي انْتِقَامٍ مِنْ أَعْدَائِهِ الْجَاحِدِينَ وَحْدَانِيَّتَهُ .