الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَأَضَاءَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ، يُقَالُ : أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ . إِذَا صَفَتْ وَأَضَاءَتْ ، وَأَشْرَقَتْ : إِذَا طَلَعَتْ ، وَذَلِكَ حِينَ يَبْرُزُ الرَّحْمَنُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ . قَالَ . ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا قَالَ : فَمَا يَتَضَارُّونَ فِي نُورِهِ إِلَّا كَمَا يَتَضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ فِي الْيَوْمُ الصَّحْوِ الَّذِي لَا دَخَنَ فِيهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا قَالَ : أَضَاءَتْ . وَقَوْلُهُ وَوُضِعَ الْكِتَابُ يَعْنِي . كِتَابَ أَعْمَالِهِمْ لِمُحَاسَبَتِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَوُضِعَ الْكِتَابُ قَالَ : كُتِبَ أَعْمَالُهُمْ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَوُضِعَ الْكِتَابُ قَالَ : الْحِسَابُ . وَقَوْلُهُ : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ يَقُولُ : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ لِيَسْأَلَهُمْ رَبُّهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ ، وَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا ، حِينَ أَتَتْهُمْ رِسَالَةُ اللَّهِ ، وَالشُّهَدَاءُ ، يَعْنِي بِالشُّهَدَاءِ : أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَسْتَشْهِدُهُمْ رَبُّهُمْ عَلَى الرُّسُلِ ، فِيمَا ذَكَرَتْ مِنْ تَبْلِيغِهَا رِسَالَةَ اللَّهِ الَّتِي أَرْسَلَهُمْ بِهَا رَبُّهُمْ إِلَى أُمَمِهَا ، إِذْ جَحَدَتْ أُمَمُهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَبْلَغُوهُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ ، وَالشُّهَدَاءُ : جَمْعُ شَهِيدٍ ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .
وَقِيلَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : ( الشُّهَدَاءَ ) : الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ لِمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَبِيرُ مَعْنَى ، لِأَنَّ عُقَيْبَ قَوْلِهِ : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَى بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهَا ، وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ إِنَّمَا هِيَ جَمْعُ شَهِيدٍ ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَى أُمَمِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ فَإِنَّهُمْ لَيَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ، وَبِتَكْذِيبِ الْأُمَمِ إِيَّاهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ : الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَقُضِيَ بَيْنَ النَّبِيِّينَ وَأُمَمِهَا بِالْحَقِّ ، وَقَضَاؤُهُ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ، أَنْ لَا يُحَمِّلَ عَلَى أَحَدٍ ذَنْبَ غَيْرِهِ ، وَلَا يُعَاقِبَ نَفْسًا إِلَّا بِمَا كَسَبَتْ .