الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا . . . "
) يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا إِنَّ الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنِ الْحَقِّ فِي حُجَجِنَا وَأَدِلَّتِنَا ، وَيَعْدِلُونَ عَنْهَا تَكْذِيبًا بِهَا وَجُحُودًا لَهَا . وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى مَعْنَى اللَّحْدِ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْمُرَادِ بِهِ مِنْ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِهِ مِنْ مَعْنَى الْإِلْحَادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُرِيدَ بِهِ مُعَارَضَةُ الْمُشْرِكِينَ الْقُرْآنَ بِاللَّغَطِ وَالصَّفِيرِ اسْتِهْزَاءً بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى : وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا قَالَ : الْمُكَاءُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ كَذِبِهِمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا قَالَ : يُكَذِّبُونَ فِي آيَاتِنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : أُرِيدَ بِهِ يُعَانِدُونَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا قَالَ : يُشَاقُّونَ : يُعَانِدُونَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : أُرِيدَ بِهِ الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَقَالَ : الْإِلْحَادُ : الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ . وَقَالَ آخَرُونَ : أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ تَبْدِيلِهِمْ مَعَانِيَ كِتَابِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا قَالَ : هُوَ أَنْ يُوضَعَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَّرْنَاهَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِي قَرِيبَاتِ الْمَعَانِي ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّحْدَ وَالْإِلْحَادَ : هُوَ الْمَيْلُ ، وَقَدْ يَكُونُ مَيْلًا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ ، وَعُدُولًا عَنْهَا بِالتَّكْذِيبِ بِهَا ، وَيَكُونُ بِالِاسْتِهْزَاءِ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ، وَيَكُونُ مُفَارَقَةً لَهَا وَعِنَادًا ، وَيَكُونُ تَحْرِيفًا لَهَا وَتَغْيِيرًا لِمَعَانِيهَا . وَلَا قَوْلَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ مِمَّا قُلْنَا ، وَأَنْ يَعُمَّ الْخَبَرُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ أَلْحَدُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ ، كَمَا عَمَّ ذَلِكَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
وَقَوْلُهُ : لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : نَحْنُ بِهِمْ عَالِمُونَ لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ، وَنَحْنُ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ إِذَا وَرَدُوا عَلَيْنَا ، وَذَلِكَ تَهْدِيدٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَهُمْ بِقَوْلِهِ : سَيَعْلَمُونَ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْنَا مَاذَا يَلْقَوْنَ مِنْ أَلِيمِ عَذَابِنَا . ثُمَّ أَخْبَرَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابُ النَّارِ ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ : أَفَهَذَا الَّذِي يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ ، أَمِ الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ لِإِيمَانِهِ بِاللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ ؟ هَذَا الْكَافِرُ ، إِنَّهُ إِنْ آمَنَ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَاتَّبَعَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ ، أَمَّنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا حَذَّرَهُ مِنْهُ مِنْ عِقَابِهِ إِنْ وَرْدَ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ بِهِ كَافِرًا .
وَقَوْلُهُ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وَهَذَا أَيْضًا وَعِيدٌ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَمْرِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ قَالَ : هَذَا وَعِيدٌ . وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ بِأَعْمَالِكُمُ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا شَيْءٌ .