الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ "
) ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ﴾( 35 ) ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾( 36 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَوْ يُوبِقُ هَذِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ رُكْبَانُهَا مِنَ الذُّنُوبِ ، وَاجْتَرَمُوا مِنَ الْآثَامِ ، وَجَزْمُ يُوبِقُهُنَّ ، عَطْفًا عَلَى يُسْكِنِ الرِّيحَ وَمَعْنَى الْكَلَامِ إِنْ يَسْكُنِ الرِّيحُ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ ، أَوْ يُوبِقْهُنَّ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَوْ يُوبِقْهُنَّ أَوْ يُهْلِكْهُنَّ بِالْغَرَقِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : أَوْ يُوبِقْهُنَّ يَقُولُ : يُهْلِكْهُنَّ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : أَوْ يُوبِقْهُنَّ : أَوْ يُهْلِكْهُنَّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ أَوْ يُوبِقْهُنَّ قَالَ : يُغْرِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ : بِمَا كَسَبُوا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا : أَيْ بِذُنُوبِ أَهْلِهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا قَالَ : بِذُنُوبِ أَهْلِهَا . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا قَالَ : يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبَتْ أَصْحَابُهُنَّ .
وَقَوْلُهُ : وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ يَقُولُ : وَيَصْفَحُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ كَثِيرٍ مِنْ ذُنُوبِكُمْ فَلَا يُعَاقِبُ عَلَيْهَا . وَقَوْلُهُ : وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَيَعْلَمُ الَّذِينَ يُخَاصِمُونَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي آيَاتِهِ وَعِبَرِهِ وَأَدِلَّتِهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةَ وَيَعْلَمُ الَّذِينَ رَفْعًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ : وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ نَصْبًا كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ عَلَى الصَّرْفِ؛ وَكَمَا قَالَ النَّابِغَةُ : فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ النَّاسِ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ وَنُمْسِكَ بَعْدَهُ بِذَنَابِ عَيْشٍ أَجَبِّ الظَّهْرِ لَهُ سَنَامُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِذَا عَاقَبَهُمْ عَلَى ذُنُوبِهِمْ ، وَكُفْرِهِمْ بِهِ ، وَلَا لَهُمْ مِنْهُ مَلْجَأٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ : مَا لَهُمْ مِنْ مَلْجَأٍ .
وَقَوْلُهُ : فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَمَا أُعْطِيتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ رِيَاشِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْبَنِينَ ، فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَهُوَ مَتَاعٌ لَكُمْ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَلَيْسَ مِنْ دَارِ الْآخِرَةِ ، وَلَا مِمَّا يَنْفَعُكُمْ فِي مَعَادِكُمْ . وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِي عِنْدَ اللَّهِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، خَيْرٌ مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعِهَا وَأَبْقَى ، لِأَنَّ مَا أُوتِيتُمْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ نَافِدٌ ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ النَّعِيمِ فِي جَنَانِهِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ بَاقٍ غَيْرُ نَافِذٍ . لِلَّذِينَ آمَنُوا يَقُولُ : وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِهِ ، وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فِي أُمُورِهِمْ ، وَإِلَيْهِ يَقُومُونَ فِي أَسْبَابِهِمْ ، وَبِهِ يَثِقُونَ ، خَيْرٌ وَأَبْقَى مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .