حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ "

) ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِينَ إِذَا بَغَى عَلَيْهِمْ بَاغٍ ، وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ هُمْ يَنْتَصِرُونَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْبَاغِي الَّذِي حَمِدَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الْمُنْتَصِرُ مِنْهُ بَعْدَ بَغْيِهِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْمُشْرِكُ إِذَا بَغَى عَلَى الْمُسْلِمِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ذَكَرَ الْمُهَاجِرِينَ صِنْفَيْنِ ، صِنْفًا عَفَا ، وَصِنْفًا انْتَصَرَ ، وَقَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ قَالَ : فَبَدَأَ بِهِمْ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ .

إِلَى قَوْلِهِ : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَهُمُ الْأَنْصَارُ . ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثَّالِثَ فَقَالَ : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ كُلُّ بَاغٍ بَغَى فَحَمِدَ الْمُنْتَصِرَ مِنْهُ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فَى قَوْلِهِ : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ قَالَ : يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدُوا .

وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى ، بَلْ حَمِدَ كُلَّ مُنْتَصِرٍ بِحَقٍّ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا فِي الِانْتِصَارِ مِنَ الْمَدْحِ ؟ قِيلَ : إِنَّ فِي إِقَامَةِ الظَّالِمِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَعُقُوبَتِهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ تَقْوِيمًا لَهُ ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الْمَدْحِ . وَقَوْلُهُ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى ذَلِكَ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةِ الْمُسِيءِ عُقُوبَتُهُ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ ، فَهِيَ مَسَاءَةٌ لَهُ .

وَالسَّيِّئَةُ : إِنَّمَا هِيَ الْفِعْلَةُ مِنَ السُّوءِ ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْ يُجَابَ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ الْقَزْعَةَ بِمِثْلِهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو بِشْرٍ : سَمِعْتُ . ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا قَالَ : يَقُولُ أَخْزَاهُ اللَّهُ ، فَيَقُولُ : أَخْزَاهُ اللَّهُ .

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا قَالَ : إِذَا شَتَمَكَ بِشَتْمَةٍ فَاشْتِمْهُ مِثْلَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْتَدِيَ . وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ . الْآيَةَ ، لَيْسَ أَمْرُكُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُمْ لِأَنَّهُ أَحَبَّهُمْ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ، ثُمَّ نَسَخَ هَذَا كُلَّهُ وَأَمَرَهُ بِالْجِهَادِ .

فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ هَذَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَيْكَ ، سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا مِنْكُمْ إِلَيْهِمْ ، وَإِنْ عَفَوْتُمْ وَأَصْلَحْتُمْ فِي الْعَفْوِ ، فَأَجْرُكُمْ فِي عَفْوِكُمْ عَنْهُمْ إِلَى اللَّهِ ، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ؛ وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلِلَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ وَجْهٌ . غَيْرَ أَنَّ الصَّوَابَ عِنْدَنَا : أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَنْقُلْهُ إِلَى الْبَاطِنِ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ حُجَّةٌ فِي قَوْلِهِ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْمُشْرِكُونَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ، فَنُسَلِّمُ لَهَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَمَنْ عَفَا عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ إِسَاءَتَهُ إِلَيْهِ ، فَغَفَرَهَا لَهُ ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ بِهَا ، وَهُوَ عَلَى عُقُوبَتِهِ عَلَيْهَا قَادِرٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ، فَأَجْرُ عَفْوِهِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ مُثِيبُهُ عَلَيْهِ ثَوَابَهُ .

إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ يَقُولُ : إِنِ اللَّهَ لَا يُحِبُّ أَهْلَ الظُّلْمِ الَّذِينَ يَتَعَدَّوْنَ عَلَى النَّاسِ ، فَيُسِيئُونَ إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِيهِ .

موقع حَـدِيث