الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ "
) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : أَفَنُضْرِبُ عَنْكُمْ وَنَتْرُكُكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ فِيمَا تَحْسَبُونَ ، فَلَا نُذَكِّرُكُمْ بِعِقَابِنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ قَوْمٌ مُشْرِكُونَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا قَالَ : تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَوْلَهُ : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا قَالَ : بِالْعَذَابِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا قَالَ : أَفَنُضْرِبُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ يَقُولُ : أَحَسِبْتُمْ أَنْ نَصْفَحَ عَنْكُمْ وَلَمَّا تَفْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، وَلَا نُذَكِّرُكُمْ بِهِ ، لِأَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾ : أَيْ مُشْرِكِينَ ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَهَلَكُوا ، فَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا قَالَ : لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَضَرَبَ عَنْهُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ، قَالَ : الذِّكْرُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِمَّا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَنَهَاهُمْ صَفْحًا ، لَا يَذْكُرُ لَكُمْ مِنْهُ شَيْئًا . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ فَنَتْرُكُكُمْ وَنُعْرِضُ عَنْكُمْ ، لِأَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ لَا تُؤْمِنُونَ بِرَبِّكُمْ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَتْبَعَ ذَلِكَ خَبَرَهُ عَنِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ قَبْلَ الْأُمَمِ الَّتِي تَوَعَّدَهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي تَكْذِيبِهَا رُسُلَهَا ، وَمَا أَحَلَّ بِهَا مِنْ نِقْمَتِهِ ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا وَعِيدٌ مِنْهُ لِلْمُخَاطَبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، إِذْ سَلَكُوا فِي التَّكْذِيبِ بِمَا جَاءَهُمْ عَنِ اللَّهِ رَسُولُهُمْ مَسْلَكَ الْمَاضِينَ قَبْلَهُمْ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ إِنْ كُنْتُمْ بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ إِنَّ بِمَعْنَى : أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا إِذْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَعَامَّةِ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ أَنْ بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنْ بِمَعْنَى : لِأَنْ كُنْتُمْ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ فَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : فُتِحَتْ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : لِأَنَّ كُنْتُمْ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : مَنْ فَتَحِهَا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا مَاضِيًا ، فَقَالَ : وَأَنْتَ تَقُولُ فِي الْكَلَامِ : أَتَيْتُ أَنْ حَرَّمْتَنِي ، تُرِيدُ : إِذْ حَرَّمْتَنِي ، وَيُكْسَرُ إِذَا أَرَدْتَ : أَتَيْتُ إِنْ تَحْرِمْنِي . وَمِثْلُهُ : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ وَ أَنْ صَدُّوكُمْ بِكَسْرٍ وَبِفَتْحٍ .
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ قَالَ : وَالْعَرَبُ تُنْشِدُ قَوْلَ الْفَرَزْدَقِ ؟ أَتَجْزَعُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا جِهَارًا وَلَمْ تَجْزَعْ لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ قَالَ : وَيَنْشُدُ ؟ أَتَجْزَعُ أَنْ بَانَ الْخَلِيطُ الْمُوَدَّعُ وَحَبْلُ الصَّفَا مِنْ عَزَّةَ الْمُتَقَطِّعُ قَالَ : وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَيْتَيْنِ مَا فِي صَاحِبِهِ مِنَ الْكَسْرِ وَالْفَتْحِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : أَنَّ الْكَسْرَ وَالْفَتْحَ فِي الْأَلِفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا تَقَدَّمَ أَنْ وَهِيَ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ فِعْلَ مُسْتَقْبَلٍ كَسَرُوا أَلِفَهَا أَحْيَانًا ، فَمَحَّضُوا لَهَا الْجَزَاءَ ، فَقَالُوا : أَقُومُ إِنْ قُمْتَ ، وَفَتَحُوهَا أَحْيَانًا ، وَهُمْ يَنْوُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، فَقَالُوا : أَقُومُ أَنْ قُمْتَ بِتَأْوِيلِ ، لِأَنَّ قُمْتَ ، فَإِذَا كَانَ الَّذِي تَقَدَّمَهَا مِنَ الْفِعْلِ مَاضِيًا لَمْ يَتَكَلَّمُوا إِلَّا بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنْ فَقَالُوا : قُمْتُ أَنْ قُمْتَ ، وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيلُ ، وَتَتَابَعَ شِعْرُ الشُّعَرَاءِ .