الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يُطَافُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ بِصِحَافٍ مَنْ ذَهَبٍ ، وَهِيَ جَمْعٌ لِلْكَثِيرِ مِنَ الصَّحْفَةِ ، وَالصَّحْفَةُ : الْقَصْعَةُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ : الْقِصَاعُ .
حَدَّثَنَا أَبُوكُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ لَهُ قَصْرٌ فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ خَادِمٍ ، فِي يَدِ كُلِّ خَادِمٍ صَحْفَةٌ سِوَى مَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا ، لَوْ فَتَحَ بَابَهُ فَضَافَهُ أَهْلُ الدُّنْيَا لَأَوْسَعَهُمْ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : إِنَّ أَخَسَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا مَنْ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ خَادِمٍ ، مَعَ كُلِّ خَادِمٍ صَحْفَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ، لَوْ نَزَلَ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَوْسَعَهُمْ ، لَا يَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ وَلَهُمْ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : مَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا يَسْعَى عَلَيْهِ أَلْفُ غُلَامٍ ، كُلُّ غُلَامٍ عَلَى عَمَلِ مَا عَلَيْهِ صَاحِبُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَكْوَابٍ ) وَهِيَ جَمْعُ كُوبٍ ، وَالْكُوبُ : الْإِبْرِيقُ الْمُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ ، الَّذِي لَا أُذُنَ لَهُ وَلَا خُرْطُومَ ، وَإِيَّاهُ عَنَى الْأَعْشَى بِقَوْلِهِ ؟ صَرِيفِيَّةٌ طَيِّبٌ طَعْمُهَا لَهَا زَبَدٌ بَيْنَ كُوبٍ وَدَنِّ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ( وَأَكْوَابٍ ) قَالَ : الْأَكْوَابُ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا آذَانٌ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : يُطَافُ عَلَيْهِمْ فِيهَا بِالطَّعَامِ فِي صِحَافٍ مَنْ ذَهَبٍ ، وَبِالشَّرَابِ فِي أَكْوَابٍ مَنْ ذَهَبٍ ، فَاسْتَغْنَى بِذَكَرِ الصِّحَافِ وَالْأَكْوَابِ مَنْ ذِكْرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، الَّذِي يَكُونُ فِيهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ مَا تَشْتَهِي نُفُوسُكُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - وَتَلَذُّ أَعْيُنُكُمْ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَقُولُ : وَأَنْتُمْ فِيهَا مَاكِثُونَ لَا تَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ ، فَهَلْ فِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ ؟ فَقَالَ : إِنْ يُدْخِلْكَ الْجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ - فَلَا تَشَاءُ أَنْ تَرْكَبَ فَرَسًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ تَطِيرُ بِكَ فِي أَيِّ الْجَنَّةِ شِئْتَ إِلَّا فَعَلْتَ . فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الْإِبِلَ ، فَهَلْ فِي الْجَنَّةِ إِبِلٌ ؟ فَقَالَ : يَا أَعْرَابِيُّ إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَفِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ ، وَلَذَّتْ عَيْنَاكَ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ : ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَبَّارُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ السَّلَفِيِّ قَالَ : إِنَّ السِّرْبَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَتُظِلُّهُمُ السَّحَابَةُ ، قَالَ : فَتَقُولُ : مَا أُمْطِرُكُمْ ؟ قَالَ : فَمَا يَدْعُو دَاعٍ مِنَ الْقَوْمِ بِشَيْءٍ إِلَّا أَمْطَرَتْهُمْ ، حَتَّى إِنَّ الْقَائِلَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ : أَمْطِرِينَا كَوَاعِبَ أَتْرَابًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ : قِيلَ لِمُجَاهِدٍ فِي الْجَنَّةِ سَمَاعٌ ؟ قَالَ : إِنَّ فِيهَا لَشَجَرًا يُقَالُ لَهُ الْعِيصُ ، لَهُ سَمَاعٌ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ إِلَى مِثْلِهِ . حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ ، يَقُولُ : إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيَشْتَهِي الطَّائِرَ وَهُوَ يَطِيرُ ، فَيَقَعُ مُتَفَلِّقًا نَضِيجًا فِي كَفِّهِ ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ نَفْسُهُ ، ثُمَّ يَطِيرُ ، وَيَشْتَهِي الشَّرَابَ ، فَيَقَعُ الْإِبْرِيقُ فِي يَدِهِ ، وَيَشْرَبُ مِنْهُ مَا يُرِيدُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ : ( مَا تَشْتَهِيهِ ) بِزِيَادَةِ هَاءٍ ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ تَشْتَهِي بِغَيْرِ هَاءٍ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .