حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ . . . "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ : ( هَا أَنْتُمْ ) أَيُّهَا النَّاسُ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ : تُدْعَوْنَ إِلَى النَّفَقَةِ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ بِالنَّفَقَةِ فِيهِ ، وَأُدْخِلَتْ هَا فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادَتِ التَّقْرِيبَ جَعَلَتِ الْمُكَنَّى بَيْنَ هَا وَبَيْنَ ذَا ، فَقَالَتْ : هَا أَنْتَ ذَا قَائِمًا ؛ لِأَنَّ التَّقْرِيبَ جَوَابُ الْكَلَامِ ، فَرُبَّمَا أَعَادَتْ هَا مَعَ ذَا ، وَرُبَّمَا اجْتَزَأَتْ بِالْأُولَى ، وَقَدْ حُذِفَتِ الثَّانِيَةُ ، وَلَا يُقَدِّمُونَ أَنْتُمْ قَبْلَ هَا ، لِأَنَّ هَا جَوَابٌ فَلَا تُقَرِّبُ بِهَا بَعْدَ الْكَلِمَةِ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : جَعَلَ التَّنْبِيهَ فِي مَوْضِعَيْنِ لِلتَّوْكِيدِ . وَقَوْلُهُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ يَبْخَلُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ بُخْلِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَوْ كَانَتْ جَوَادًا لَمْ تَبْخَلْ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ كَانَتْ تَجُودُ بِهَا وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى أَمْوَالِكُمْ وَلَا نَفَقَاتِكُمْ ؛ لِأَنَّهُ الْغَنِيُّ عَنْ خَلْقِهِ ، وَالْخَلْقُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ ، وَأَنْتُمْ مِنْ خَلْقِهِ ، فَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا حَضَّكُمْ عَلَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِهِ ، لِيُكْسِبَكُمْ بِذَلِكَ الْجَزِيلَ مِنْ ثَوَابِهِ .

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ قَالَ : لَيْسَ بِاللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ وَأَنْتُمْ أَحْوَجُ إِلَيْهِ . وَقَوْلُهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا أَيُّهَا النَّاسُ عَنْ هَذَا الدِّينِ الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَرْتَدُّوا رَاجِعِينَ عَنْهُ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ يَقُولُ : يُهْلِكُكُمْ ثُمَّ يَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِكُمْ بَدَلًا مِنْكُمْ يُصَدِّقُونَ بِهِ ، وَيَعْمَلُونَ بِشَرَائِعِهِ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ يَقُولُ : ثُمَّ لَا يَبْخَلُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا يُضَيِّعُونَ شَيْئًا مِنْ حُدُودِ دِينِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُومُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ .

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ يَقُولُ : إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ كِتَابِي وَطَاعَتِي أَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ، قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُهْلِكَهُمْ ، وَيَأْتِيَ مِنْ بَعْدِهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ قَالَ : إِنْ تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ .

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ . وَذُكِرَ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ : الْعَجَمُ مِنْ عَجَمِ فَارِسَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَزِيعٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ : ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ كَانَ سَلْمَانُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ؟ قَالَ : فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْكِبِ سَلْمَانَ ، فَقَالَ : مِنْ هَذَا وَقَوْمِهِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ الدِّينَ تَعَلَّقَ بِالثُّرَيَّا لَنَالَتْهُ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ .

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ، ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا ، فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِ سَلْمَانَ قَالَ : هَذَا وَقَوْمُهُ ، وَلَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنَ الْفُرْسِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ قَالَ : ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحُكُّ رُكْبَتُهُ رُكْبَتَهُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ الَّذِينَ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا ؟ قَالَ : فَضَرَبَ فَخِذَ سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ : هَذَا وَقَوْمُهُ . وَقَالَ : مُجَاهِدٌ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ مَنْ شَاءَ .

وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ قَالَ : ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ وَشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ قَالَ : أَهْلُ الْيَمَنِ . آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

موقع حَـدِيث