الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ . . . "
) ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾( 23 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ : وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمَكَّةَ لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ يَقُولُ : لَانْهَزَمُوا عَنْكُمْ ، فَوَلَّوْكُمْ أَعْجَازَهُمْ ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمُنْهَزِمُ مِنْ قِرْنِهِ فِي الْحَرْبِ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَقُولُ : ثُمَّ لَا يَجِدُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْمُنْهَزِمُونَ عَنْكُمُ ، الْمُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ، وَلِيًّا يُوَالِيهِمْ عَلَى حَرْبِكُمْ ، وَلَا نَصِيرًا يَنْصُرُهُمْ عَلَيْكُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مَعَكُمْ ، وَلَنْ يُغْلَبَ حِزْبٌ اللَّهُ نَاصِرُهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ ، قَالَ اللَّهُ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَوْ قَاتَلَكُمْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ مِنْ قُرَيْشٍ ، لَخَذَلَهُمُ اللَّهُ حَتَّى يَهْزِمَهُمْ عَنْكُمْ خِذْلَانَهُ أَمْثَالَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، الَّذِينَ قَاتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُمْ . وَأَخْرَجَ قَوْلَهُ ( سُنَّةَ اللَّهِ ) نَصْبًا مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا مَعْنَى سَنَنْتُ فِيهِمُ الْهَزِيمَةَ وَالْخِذْلَانَ ، فَلِذَلِكَ قِيلَ : ( سُنَّةَ اللَّهِ ) مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ لَا مِنْ لَفْظِهِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْكَلَامِ . وَقَوْلُهُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَنْ تَجِدَ يَا مُحَمَّدُ لِسُنَّةِ اللَّهِ الَّتِي سَنَّهَا فِي خَلْقِهِ تَغْيِيرًا ، بَلْ ذَلِكَ دَائِمٌ لِلْإِحْسَانِ جَزَاؤُهُ مِنَ الْإِحْسَانِ ، وَلِلْإِسَاءَةِ وَالْكُفْرِ الْعِقَابُ وَالنَّكَالُ .