الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ "
) ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾( 24 ) ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴾( 25 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَقَالَ قَرِينُ هَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَهُ سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ الْمَلَكُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾. إِلَى آخَرَ الْآيَةِ ، قَالَ : هَذَا سَائِقُهُ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ ، وَقَرَأَ ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾. وَقَوْلُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ قَرِينِ هَذَا الْإِنْسَانِ عِنْدَ مُوَافَاتِهِ رَبِّهِ بِهِ ، رَبِّ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ : يَقُولُ : هَذَا الَّذِي هُوَ عِنْدِي مُعَدٌّ مَحْفُوظٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ قَالَ : وَالْعَتِيدُ : الَّذِي قَدْ أَخَذَهُ ، وَجَاءَ بِهِ السَّائِقُ وَالْحَافِظُ مَعَهُ جَمِيعًا . وَقَوْلُهُ ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ فِيهِ مَتْرُوكٌ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَهُوَ : يُقَالُ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ، أَوْ قَالَ تَعَالَى : أَلْقِيَا ، فَأَخْرَجَ الْأَمْرَ لِلْقَرِينِ ، وَهُوَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مَخْرَجَ خِطَابِ الِاثْنَيْنِ .
وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْقَرِينُ بِمَعْنَى الِاثْنَيْنِ ، كَالرَّسُولِ ، وَالِاسْمُ الَّذِي يَكُونُ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ فِي الْوَاحِدِ ، وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ ، فَرَدَّ قَوْلَهُ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ إِلَى الْمَعْنَى . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ كَمَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ ، وَهُوَ أَنَّ الْعَرَبَ تَأْمُرُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ بِمَا تَأْمُرُ بِهِ الِاثْنَيْنِ ، فَتَقُولُ لِلرَّجُلِ وَيْلَكَ أَرْجِلَاهَا وَازْجُرَاهَا ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ الْعَرَبِ; قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ : فَقُلْتُ لِصَاحِبِي لَا تَحْبِسَانَا بِنَزْعِ أُصُولِهِ وَاجْتَزَّ شِيحَا قَالَ : وَأَنْشَدَنِي أَبُو ثَرْوَانَ : فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانِ أَنْزَجِرْ وَإِنْ تَدَعَانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعَا قَالَ : فَيُرْوَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَنَّ الرَّجُلَ أَدْنَى أَعْوَانِهِ فِي إِبِلِهِ وَغَنَمِهِ اثْنَانِ ، وَكَذَلِكَ الرِّفْقَةُ أَدْنَى مَا تَكُونُ ثَلَاثَةً ، فَجَرَى كَلَامُ الْوَاحِدِ عَلَى صَاحِبَيْهِ ، وَقَالَ : أَلَا تَرَى الشُّعَرَاءَ أَكْثَرَ قِيلًا يَا صَاحِبَيَّ يَا خَلِيلِيَّ ، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبِ نُقَضُّ لُبَانَاتِ الْفُؤَادِ الْمُعَذَّبِ ثُمَّ قَالَ : أَلَمْ تَرَ أَنَّي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِفَا وَجَدْتُ بِهَا طِيْبَاتٍ وَإِنْ لَمْ تَطَيَّبِ فَرَجَعَ إِلَى الْوَاحِدِ ، وَأَوَّلُ الْكَلَامِ اثْنَانِ; قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ : خَلِيلَيَّ قُومَا فِي عَطَالَةَ فَانْظُرَا أَنَارٌ تَرَى مِنْ ذِي أَبَانَيْنِ أَمْ بَرْقَا وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي : أَنَارًا نَرَى . كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ يَعْنِي : كُلَّ جَاحِدٍ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ عَنِيدٍ ، وَهُوَ الْعَانِدُ عَنِ الْحَقِّ وَسَبِيلِ الْهِدَى .
وَقَوْلُهُ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي الْخَيْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : هُوَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ كُلُّ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ ، أَوْ لِآدَمِيٍّ فَى مَالِهِ ، وَالْخَيْرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الْمَالُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَمَّ بِقَوْلِهِ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ عَنْهُ أَنَّهُ يَمْنَعُ الْخَيْرَ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ، فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ يُمْكِنُ مَنْعُهُ طَالِبَهُ . وَقَوْلُهُ ( مُعْتَدٍ ) يَقُولُ : مُعْتَدٍ عَلَى النَّاسِ بِلِسَانِهِ بِالْبَذَاءِ وَالْفُحْشِ فِي الْمَنْطِقِ ، وَبِيَدِهِ بِالسَّطْوَةِ وَالْبَطْشِ ظُلْمًا . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : مُعْتَدٍ فِي مَنْطِقِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَمْرِهِ .
وَقَوْلُهُ ( مُرِيبٍ ) يَعْنِي : شَاكٍّ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ . كَمَّا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ( مُرِيبٍ ) : أَيْ شَاكٍّ .