الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ "
) ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾( 32 ) ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾( 33 ) يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ وَأُدْنِيَتِ الْجَنَّةُ وَقُرِّبَتْ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ، فَخَافُوا عُقُوبَتَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَقُولُ : وَأُدْنِيَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ .
وَقَوْلُهُ هَذَا مَا تُوعَدُونَ يَقُولُ : قَالَ لَهُمْ : هَذَا الَّذِي تُوعَدُونَ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ ، أَنْ تَدْخُلُوهَا وَتَسْكُنُوهَا وَقَوْلُهُ لِكُلِّ أَوَّابٍ يَعْنِي : لِكُلِّ رَاجِعٍ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَى طَاعَتِهِ ، تَائِبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْمُسَبِّحُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ التَّائِبُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ هُنَالِكَ . حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ : ثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِكُلِّ أَوَّابٍ قَالَ : لِكُلِّ مُسَبِّحٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْأَوَّابُ : الْمُسَبِّحُ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ : ثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قَالَ : هُوَ الذَّاكِرُ اللَّهَ فِي الْخَلَاءِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قَالَ : الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ . قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ خَارِجَةَ ، عَنْ عِيسَى الْحَنَّاطِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : هُوَ الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فِي خَلَاءٍ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهَا ( حَفِيظٍ ) : أَيْ مُطِيعٍ لِلَّهِ كَثِيرِ الصَّلَاةِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قَالَ : الْأَوَّابُ : التَّوَّابُ الَّذِي يَئُوبُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَيَرْجِعُ إِلَيْهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ فِي قَوْلِهِ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قَالَ : الرَّجُلُ يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَهَا . وَقَوْلُهُ ( حَفِيظٍ ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتَّى تَابَ مِنْهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، عَنِ الْأَوَّابِ الْحَفِيظِ ، قَالَ : حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتَّى رَجَعَ عَنْهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ حَفِيظٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ وَمَا ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( حَفِيظٍ ) قَالَ : حَفِيظٌ لِمَا اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ وَنِعْمَتِهِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَصَفَ هَذَا التَّائِبَ الْأَوَّابَ بِأَنَّهُ حَفِيظٌ ، وَلَمْ يَخُصَّ بِهِ عَلَى حِفْظِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ دُونَ نَوْعٍ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَعُمَّ كَمَا عَمَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَيُقَالُ : هُوَ حَفِيظٌ لِكُلِّ مَا قَرَّبَهُ إِلَى رَبِّهِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالطَّاعَاتِ وَالذُّنُوبِ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ لِلتَّوْبَةِ مِنْهَا وَالِاسْتِغْفَارِ .
وَقَوْلُهُ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ يَقُولُ : مَنْ خَافَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَلْقَاهُ ، فَأَطَاعَهُ ، وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ . وَفِي ( مَنْ ) فِي قَوْلِهِ مَنْ خَشِيَ وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ : الْخَفْضُ عَلَى إِتْبَاعِهِ كُلِّ فِي قَوْلِهِ لِكُلِّ أَوَّابٍ وَالرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، وَهُوَ مُرَادٌ بِهِ الْجَزَاءُ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ، قِيلَ لَهُ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ; فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ جَوَابًا لِلْجَزَاءِ أَضْمَرَ قَبْلَهُ الْقَوْلَ ، وَحَمَلَ فِعْلًا لِلْجَمِيعِ ، لِأَنَّ ( مَنْ ) قَدْ تَكُونُ فِي مَذْهَبِ الْجَمِيعِ . وَقَوْلُهُ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ يَقُولُ : وَجَاءَ اللَّهَ بِقَلْبٍ تَائِبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ ، رَاجِعٍ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إِلَى مَا يُرْضِيهِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ : أَيْ مُنِيبٍ إِلَى رَبِّهِ مُقْبِلٍ .