الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ فِي إِهْلَاكِنَا الْقُرُونَ الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا مِنْ قَبْلِ قُرَيْشٍ ( لَذِكْرَى ) يُتَذَكَّرُ بِهَا لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ يَعْنِي : لِمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَيَنْتَهِي عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مَنْ كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ : أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْقَلْبِ : الْقَلْبَ الْحَيَّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ قَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ قَالَ : قَلْبٌ يَعْقِلُ مَا قَدْ سَمِعَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ضَرَبَ اللَّهُ بِهَا مِنْ عَصَاهُ مِنَ الْأُمَمِ . وَالْقَلْبُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْعَقْلُ .
وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ : مَا لِفُلَانٍ قَلْبٌ ، وَمَا قَلْبُهُ مَعَهُ : أَيْ مَا عَقْلُهُ مَعَهُ . وَأَيْنَ ذَهَبَ قَلْبُكَ؟ يَعْنِي أَيْنَ ذَهَبَ عَقْلُكَ . وَقَوْلُهُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ يَقُولُ : أَوْ أَصْغَى لِإِخْبَارِنَا إِيَّاهُ عَنْ هَذِهِ الْقُرُونِ الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا بِسَمْعِهِ ، فَيَسْمَعُ الْخَبَرَ عَنْهُمْ ، كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ حِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَهُوَ شَهِيدٌ يَقُولُ : وَهُوَ مُتَفَهِّمٌ لِمَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْهُمْ ، شَاهِدٌ لَهُ بِقَلْبِهِ ، غَيْرُ غَافِلٍ عَنْهُ وَلَا سَاهٍ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ يَقُولُ : إِنِ اسْتَمَعَ الذَّكَرَ وَشَهِدَ أَمْرَهُ ، قَالَ فِي ذَلِكَ : يَجْزِيهِ إِنْ عَقَلَهُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى : وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ قَالَ : وَهُوَ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ ، شَاهِدُ الْقَلْبِ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ ، يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ : الْعَرَبُ تَقُولُ : أَلْقَى فُلَانٌ سَمْعَهُ : أَيِ اسْتَمَعَ بِأُذُنَيْهِ ، وَهُوَ شَاهِدٌ ، يَقُولُ : غَيْرُ غَائِبٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ قَالَ : يَسْمَعُ مَا يَقُولُ ، وَقَلْبُهُ فِي غَيْرِ مَا يَسْمَعُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالشَّهِيدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الشَّهَادَةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ ، وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَقْرَأُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ بَعْثِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّهُ يَجِدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكْتُوبًا . قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ قَالَ : قَالَ مَعْمَرٌ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ مُنَافِقٌ اسْتَمَعَ الْقَوْلَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ : الْمُؤْمِنُ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ ، وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ : أَلْقَى السَّمْعَ يَسْمَعُ مَا قَدْ كَانَ مِمَّا لَمْ يُعَايِنْ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنِ الْأُمَمِ الَّتِي قَدْ مَضَتْ ، كَيْفَ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ وَصَنَعَ بِهِمْ حِينَ عَصَوْا رُسُلَهُ .