الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ( 22 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَفِي الْأَرْضِ عِبَرٌ وَعِظَاتٌ لِأَهْلِ الْيَقِينِ بِحَقِيقَةِ مَا عَايَنُوا وَرَأَوْا إِذَا سَارُوا فِيهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ قَالَ : يَقُولُ : مُعْتَبَرٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ إِذَا سَارَ فِي أَرْضِ اللَّهِ رَأَى عِبَرًا وَآيَاتٍ عِظَامًا . وَقَوْلُهُ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِي سَبِيلِ الْخَلَاءِ وَالْبَوْلِ فِي أَنْفُسِكُمْ عِبْرَةٌ لَكُمْ ، وَدَلِيلٌ لَكُمْ عَلَى رَبِّكُمْ ، أَفَلَا تُبْصِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْكُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُرْتَفِعِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ قَالَ : سَبِيلُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُرْتَفِعِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ قَالَ : سَبِيلُ الْخَلَاءِ وَالْبَوْلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِي تَسْوِيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَفَاصِلِ أَبْدَانِكُمْ وَجَوَارِحِكُمْ دَلَالَةٌ لَكُمْ عَلَى أَنْ خُلِقْتُمْ لِعِبَادَتِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ قَالَ : وَفِينَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ ، هَذَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْقَلْبُ ، لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا هُوَ أَسْوَدُ أَوْ أَحْمَرُ ، وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي يَتَلَجْلَجُ بِهِ ، وَهَذَا الْقَلْبُ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ ؟! ، إِنَّمَا هُوَ مُضْغَةٌ فِي جَوْفِهِ ، يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ الْعَقْلَ ، أَفَيَدْرِي أَحَدٌ مَا ذَاكَ الْعَقْلُ ؟ وَمَا صِفَتُهُ ؟ وَكَيْفَ هُوَ ؟ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَيْضًا أَيُّهَا النَّاسُ آيَاتٌ وَعِبَرٌ تَدُلُّكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ صَانِعِكُمْ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ لَكُمْ سِوَاهُ ، إِذْ كَانَ لَا شَيْءَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَ خَلْقِهِ إِيَّاكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ يَقُولُ : أَفَلَا تَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ فَتَتَفَكَّرُوا فِيهِ ، فَتَعْلَمُوا حَقِيقَةَ وَحْدَانِيَّةِ خَالِقِكُمْ . وَقَوْلُهُ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَفِي السَّمَاءِ : الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ اللَّذَانِ بِهِمَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ رِزْقَكُمْ ، وَقُوتَكُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : ثَنَا النَّضْرُ قَالَ : ثَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ قَالَ : الْمَطَرُ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ : الثَّلْجُ ، وَكُلُّ عَيْنٍ ذَائِبَةٍ مِنَ الثَّلْجِ لَا تَنْقُصُ . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : فِي السَّحَابِ فِيهِ - وَاللَّهِ - رِزْقُكُمْ ، وَلَكِنَّكُمْ تُحْرَمُونَهُ بِخَطَايَاكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ . قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا - وَمُطِرُوا يَقُولُ : وَمُطِرْنَا بِبَعْضِ عَثَانِينِ الْأَسَدِ ، فَقَالَ كَذَبْتَ ، بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ : رِزْقُكُمُ الْمَطَرُ . قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ قَالَ : رَزَقَكُمُ الْمَطَرُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ، وَمِمَّنْ تَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ : قَرَأَ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ هَذِهِ الْآيَةَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَقَالَ : أَلَا إِنَّ رِزْقِي فِي السَّمَاءِ وَأَنَا أَطْلُبُهُ فِي الْأَرْضِ ، فَدَخَلَ خَرِبَةً فَمَكَثَ ثَلَاثًا لَا يُصِيبُ شَيْئًا ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ إِذَا هُوَ بِدَوْخَلَّةِ رُطَبٍ ، وَكَانَ لَهُ أَخٌ أَحْسَنُ نِيَّةً مِنْهُ ، فَدَخَلَ مَعَهُ ، فَصَارَتَا دَوْخَلَّتَيْنِ ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمَا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا تُوعَدُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا تُوعَدُونَ مِنْ خَيْرٍ ، أَوْ شَرٍّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ : وَمَا تُوعَدُونَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ يَقُولُ : الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ ، وَمَا تُوعَدُونَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا تُوعَدُونَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَزِيعٍ قَالَ : ثَنَا النَّضْرُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ : الْجَنَّةُ وَالنَّارُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَمَا تُوعَدُونَ مِنَ الْجَنَّةِ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ الْخَبَرَ بِقَوْلِهِ وَمَا تُوعَدُونَ عَنْ كُلِّ مَا وَعَدَنَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ كَمَا عَمَّهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ .
المصدر: تفسير الطبري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-84/h/840396
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة