الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُقْسِمًا لِخَلْقِهِ بِنَفْسِهِ : فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ : إِنَّ فِي السَّمَاءِ رِزْقَكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ لَحَقٌّ ، كَمَا حَقٌّ أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ . وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ وَقَالَ الْفَرَّاءُ : لِلْجَمْعِ بَيْنَ مَا وَ إِنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَظِيرَ جَمْعِ الْعَرَبِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَدَوَاتِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي الْأَسْمَاءِ : مِنَ النَّفَرِ اللَّائِي الَّذِينَ إِذَا هُمُ يَهَابُ اللِّئَامُ حَلْقَةَ الْبِابِ قَعْقَعُوا فَجَمَعَ بَيْنَ اللَّائِي وَالَّذِينَ ، وَأَحَدُهُمَا مُجْزِئٌ مِنَ الْآخَرِ; وَكَقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْأَدَوَاتِ : مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِ كَالْيَوْمِ طَالِيَ أَيْنُقٍ جُرْبِ فَجَمَعَ بَيْنَ مَا وَبَيْنَ إِنَّ ، وَهُمَا جَحْدَانِ يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ . وَأَمَّا الْآخَرُ : فَهُوَ لَوْ أَنَّ ذَلِكَ أَفْرَدَ بِ مَا ، لَكَانَ خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ حَقٌّ لَا كَذِبٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنِيُّ بِهِ .
وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ : أَنَّهُ لَحَقٌّ كَمَا حَقٌّ أَنَّ الْآدَمِيَّ نَاطِقٌ . أَلَا يَرَى أَنَّ قَوْلَكَ : أَحَقٌّ مَنْطِقُكَ؟ ، مَعْنَاهُ : أَحَقٌّ هُوَ أَمْ كَذِبٌ؟ ، وَأَنَّ قَوْلَكَ أَحَقٌّ أَنَّكَ تَنْطِقُ مَعْنَاهُ لِلِاسْتِثْبَاتِ لَا لِغَيْرِهِ ، فَأَدْخَلْتَ أَنْ لِيُفَرِّقَ بِهَا بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ ، قَالَ : فَهَذَا أَعْجَبُ الْوَجْهَيْنِ إِلَيَّ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ ( مِثْلَ مَا ) نَصْبًا بِمَعْنَى : إِنَّهُ لَحَقٌّ حَقًّا يَقِينًا كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوهَا إِلَى مَذْهَبِ الْمَصْدَرَ .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْعَرَبَ تَنْصِبُهَا إِذَا رَفَعَتْ بِهَا الِاسْمَ ، فَتَقُولُ : مِثْلُ مَنْ عَبْدُ اللَّهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ مِثْلُكَ ، وَأَنْتَ مِثْلُهُ ، وَمِثْلَهُ رَفْعًا وَنَصْبًا . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمَصْدَرِ ، إِنَّهُ لَحَقٌّ كَنُطْقِكُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَفْعًا مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ عَلَى وَجْهِ النَّعْتِ لِلْحَقِّ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .