حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَخَلَقْنَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ، وَتَرَكَ ( خَلَقْنَا ) الْأَوْلَى اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهِ : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ قَالَ : الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ ، وَالشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةُ ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ .

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الفَزَارِيُّ قَالَ : ثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ قَالَ : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالزَّوْجَيْنِ : الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ قَالَ : ذَكَرًا وَأُنْثَى ، ذَاكَ الزَّوْجَانِ ، وَقَرَأَ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ .

قَالَ : امْرَأَتَهُ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، خَلَقَ لِكُلِّ مَا خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ ثَانِيًا لَهُ مُخَالِفًا فِي مَعْنَاهُ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ لِلْآخَرِ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ : خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ . وَإِنَّمَا نَبَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ خَلْقَهُ مِنْ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي شَأْنُهَا فِعْلُ نَوْعٍ وَاحِدٍ دُونَ خِلَافِهِ ، إِذْ كُلُّ مَا صِفَتُهُ فِعْلُ نَوْعٍ وَاحِدٍ دُونَ مَا عَدَاهُ كَالنَّارِ الَّتِي شَأْنُهَا التَّسْخِينُ ، وَلَا تَصْلُحُ لِلتَّبْرِيدِ ، وَكَالثَّلْجِ الَّذِي شَأْنُهُ التَّبْرِيدُ ، وَلَا يَصْلُحُ لِلتَّسْخِينِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالْكَمَالِ ، وَإِنَّمَا كَمَالُ الْمَدْحِ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ كُلِّ مَا شَاءَ فِعْلَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَّفِقَةِ .

وَقَوْلُهُ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يَقُولُ : لِتَذَكَّرُوا وَتَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ، فَتَعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ أَنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الشَّيْءِ وَخِلَافِهِ ، وَابْتِدَاعِ زَوْجَيْنِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ .

موقع حَـدِيث