الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ "
) ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾( 7 ) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ( 8 ) يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ : فَأعْرِضْ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ ، الَّذِينَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يَعْرِضُوا وَيَقُولُوا : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَ يَدْعُو دَاعِيَ اللَّهِ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ ، وَذَلِكَ هُوَ الشَّيْءُ النُّكُرُ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَقُولُ : ذَلِيلَةٌ أَبْصَارُهُمْ خَاشِعَةٌ ، لَا ضَرَرَ بِهَا يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ وَهِيَ جَمْعُ جَدَثٍ ، وَهِيَ الْقُبُورُ ، وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْخُشُوعِ الْأَبْصَارَ دُونَ سَائِرِ أَجْسَامِهِمْ ، وَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ أَجْسَامِهِمْ ، لِأَنَّ أَثَرَ ذِلَّةِ كُلِّ ذَلِيلٍ ، وَعِزَّةِ كُلِّ عَزِيزٍ ، تَتَبَيَّنُ فِي نَاظِرَيْهِ دُونَ سَائِرِ جَسَدِهِ ، فَلِذَلِكَ خَصَّ الْأَبْصَارَ بِوَصْفِهَا بِالْخُشُوعِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ : أَيْ ذَلِيلَةٌ أَبْصَارُهُمْ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ الْكُوفِيِّينَ ( خُشَّعًا ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ ، بِمَعْنَى خَاشِعٍ ; وَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ بِالْأَلِفِ عَلَى التَّوْحِيدِ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ، وَأَلْحَقُوهُ وَهُوَ بِلَفْظِ الِاسْمِ فِي التَّوْحِيدِ ، إِذْ كَانَ صِفَةً بِحُكْمٍ فَعَلَ وَيَفْعَلُ فِي التَّوْحِيدِ إِذَا تَقَدَّمَ الْأَسْمَاءَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَشَبَابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ فَوَحَّدَ حَسَنًا وَهُوَ صِفَةٌ لِلْأَوْجُهِ ، وَهِيَ جَمْعٌ ; وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ : يَرْمِي الفِجَاجَ بِهَا الرُّكْبَانَ مُعْتَرِضًا أعْنَاقَ بُزَّلِهَا مُرْخَى لَهَا الْجُدُلُ فَوَحَّدَ مُعْتَرِضًا ، وَهِيَ مِنْ صِفَةِ الْأَعْنَاقِ ، وَالْجَمْعُ وَالتَّأْنِيثُ فِيهِ جَائِزَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا . وَقَوْلُهُ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ فِي انْتِشَارِهِمْ وَسَعْيِهِمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ . وَقَوْلُهُ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ : مُسْرِعِينَ بِنَظَرِهِمْ قِبَلَ دَاعِيهِمْ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِهْطَاعِ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنِ الْإِعَادَةِ ، وَنَذْكُرُ بَعْضَ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ فِيمَا مَضَى مِنَ الرِّوَايَةِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ قَوْلَهُ : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قَالَ : هُوَ التَّحْمِيجُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قَالَ : التَّحْمِيجُ .
قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قَالَ : هَكَذَا أَبْصَارُهُمْ شَاخِصَةٌ إِلَى السَّمَاءِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ : أَيْ عَامِدِينَ إِلَى الدَّاعِي . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ( مُهْطِعِينَ ) يَقُولُ : نَاظِرِينَ .
وَقَوْلُهُ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يَقُولُ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ : هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ . وَإِنَّمَا وَصَفُوهُ بِالْعُسْرِ لِشِدَّةِ أَهْوَالِهِ وَبَلْبَالِهِ .